الاشتراكية: كيف نفوز

جدارية لفنان الجرافيتي لوريتو، لندن. عبر فليكر.

يستكشف بهاسكار سونكارا تاريخ الاشتراكية ويقدم رؤية واقعية لمستقبلها.

ترجمة ياسر عزام

اليساريون لم يكونوا مجرد حالمين يوتوبيين يحلمون بالنهار. بخيره ومره، فاز الاشتراكيون بالسلطة، في عدة أماكن، في معظم أنحاء العالم. لكن لم يتمكن أي مكان من إحداث قطيعة حاسمة مع الرأسمالية وبناء بديل ديموقراطي. حتى مع أكثر الطموحات تواضعًا المتمثلة في رأسمالية مؤنسنة وحسب، لم تتمكن أي حكومة يسارية وطنية في أوروبا من تحقيق برنامجها خلال أربعين عامًا على الأقل. في الولايات المتحدة، لم تنجح الحركة الاشتراكية لعقود أطول من هذا.

ومع ذلك، يظهر في الأفق مستقبلٌ أفضل في متناول أيدينا. على الرغم من كل مظاهر مناعتها، تظل الرأسمالية معرضة لأزمة، كما تعرف البشرية اليوم. مظاهر اللامساواة فيها تُثير المقاومة. مليارات من البشر يبغضون الخيارات الغير عادلة المعروضة عليهم. لكن أغلب البشر لا يملكون أي سبب للاعتقاد بأن السياسة يمكن أن تحسن من حياتهم. العمل الجماعي–سواء داخل مكان العمل أو خارجه–هو في الغالب أكثر خطورة من قبول الوضع الراهن. المعضلة بالنسبة للاشتراكيين اليوم هي معرفة طريقة أخذ الغضب من المنتجات الغير عادلة للرأسمالية وتحويلها إلى تحدي للنظام نفسه.

ما يلي هو مقتطف مُعدل من البيان الاشتراكي، موفرًا بعض نقاط التفكير لنقل طرق لتحدي الرأسمالية وخلق ديموقراطية اجتماعية بديلةً لها.

ديموقراطية الصراع الطبقي الاجتماعية لا تغلق سُبل الراديكاليين، بل تفتحها

في ظاهر الأمر، يناصر كوربن وساندرز مجموعة من المطالب والتي هي ديموقراطية اجتماعية بالضرورة. لكنهما يمثلان شيئًا مختلفًا تمامًا عن الديموقراطية الاجتماعية الحديثة. بالرغم من أن الديموقراطية الاجتماعية تحولت في فترة ما بعد الحرب إلى أداة لقمع النزاع الطبقي لصالح ترتيبات ثلاثية الأطراف بين الشركات والعمال والدولة، إلا أن كلا القائدين يشجعان على تجديد العداء الطبقي والتحركات من أسفل.

بالنسبة لساندرز، طريق الإصلاح هو من خلال مواجهة النخب. بدلاً من التحدث عن نضال أمة كاملة سويًا لاستعادة الاقتصاد الأمريكي والازدهار المشترك، وبدلًا من السعي إلى تفاوضٍ لتسوية أفضل مع قادة الشركات (فقط لو أنهم رأوا التغيير التقدمي يخدم مصالحهم!)، تتعلق حركة ساندرز بخلق “ثورة سياسية” للحصول على ما هو حق لنا من “المليونيرات والمليارديرات.” برنامجه يؤدي إلى استقطاب على طول خطوط الطبقة؛ هو ينادي بذلك بالفعل.

تختلط رؤية ساندرز غالبًا برؤية التقدميين حيث يتحدث المعلقون عادًة عن جناح “ساندرز-وارن” بالحزب الديموقراطي. لكن هناك اختلاف حيوي بين منهج الصراع الطبقي الذي يتخذه ساندرز والمنهج الذي يكاد يقترب من كونه منهج يهتم بالتفاصيل الغامضة الذي يتبعه أشخاص مثل إليزابيث وارن التي تسعى لبناء سياسة أفضل بدلًا من سياسات بديلة. ليس مستغربًا أن تسرع وارن بطمأنة مصالح الشركات بأنها تعتقد أن “أسواقًا قوية وصحية هي المفتاح لأمريكا قوية وصحية” وبأنها “رأسمالية.”

دُرب ساندرز كتلميذ في رابطة الشباب الاشتراكية من خلال تنظيم النقابات والحقوق المدنية. لقد تشكلت رؤيته للعالم من خلال هذه الخلفية الغير عادية. ومن جانبه، كان كوربن عضوًا بيسار حزب العمال لمدة طويلة، اشتراكيٌ ملتزمٌ بالحركة الاجتماعية والنضالات النقابية وبالمعركة ضد أفكار توني بلير.

ساندرز وكوربين لا يمثلان سياسات ديموقراطية اجتماعية ستعمل كبدائل وسطيّة لمطالب اشتراكية أكثر قتالية. بدلًا من ذلك، هم يوفران بديل جذري ليسار وسطٍ فانٍ. لقد قدما لغة صراع طبقيّ وإعادة توزيع لمستمعين لم يستمعوا لمطالب مثل هذه من قبل. تنتج إذن ديموقراطية الصراع الطبقي الاجتماعية قوة للطبقة العاملة من خلال حملات انتخابية بدلًا من إخضاع نضالات قائمة بالفعل بهدف انتخاب بعض الأفراد. الفرق بين هذا المسار السياسي وديموقراطية توني بلير الاجتماعية أو حتى أولوف بالمه هو لفت الانتباه.

 الفوز بانتخابات ليس مثل الفوز بسلطة

لقد حدث شيءٌ يشبه التصحيح المفرط من جانب اليسار، من أيام دوائر الطبل الجماعية من أجل “تغيير العالم دون الاستيلاء على السلطة” في تسعينيات ما بعد الاشتراكية إلى المبالغة في التشديد على التعبئة الانتخابية اليوم.

الانتخابات مهمة بالفعل. التصويت والاهتمام بالحملات في العديد من الدول هي الأفعال السياسية الوحيدة التي يشتبك فيها أغلب الناس. لا تساعد السباقات الانتخابات فقط في تقديم رؤيتنا السياسية، بما في ذلك لمن لن يصغوا إلينا إلا بهذه الطريقة، لكنها أيضًا تتضمن بناء المنظمات والشبكات التي يمكن أن تحفز الطاقات لما هو أبعد من الحملة الانتخابية.

لكن ما الهدف من الفوز بانتخابات مالم نكن قادرين فعلًا على تحقيق ما وعدنا به؟ في سياقات معينة، يمكننا أن نبرر بأنه لا بأس من “احتلال السلطة”– مثلما فعل الاشتراكي الفرنسي ليون بلوم في الثلاثينيات– لمنع اليمين لدورة انتخابية أو اثنتين لإضعاف أثر التقشف على العمال، لكن هذه الطريقة هي طريقة مضمونة لتخييب أمل قاعدتك والخسارة على المدى المتوسط والطويل. منذ الثمانينات– مع الطريق المسدود الذي وصلت إليه حكومة فرنسوا ميتران وتراجع دول الرفاه الاسكندنافية – كانت الديموقراطية الاجتماعية الوجه الأكثر إنسانية للنيوليبرالية وفقط. ما يبدو كانتصار في البداية يمكن كشفُهُ قريبًا كهزيمة.

يشعر الناخبون من الطبقة العاملة اليوم بخيبة أمل عامة من توافق الطبقة الحاكمة السياسي. لكنهم وبقية الناخبين لا يؤمنون بقدرة السياسة على تغيير حياتهم؛ هم لا يتجهون للتصويت وهم أقل نشاطًا في الأحزاب والنقابات والمنظمات المدنية مما كانوا عليه من قبل. “أزمة السياسة” هذه هي في الأساس كارثة اليسار. يمين الوسط الأوروبي لا يحتاج إلى قاعدة واعية ونشيطة من المؤيدين لتنفيذ برنامجه؛ يمكنهم إدارة الرأسمالية بما يخدم مصالح الرأسماليين بمساعدة عشرة تكنوقراط من الاتحاد الأوروبي. في الولايات المتحدة، اليمين كأقلية فعالٌ في الاستيلاء على السلطة والتلويح بها، من خلال مؤسساته وتلاعبه بالانتخابات ومن خلال النظام القضائي. ومع ذلك لطالما اعتمد اليسار على التعبئة الجماهيرية، ليس فقط للفوز بالانتخابات، ولكن لسن التغيير.

إذن، كيف لنا أن نجعل الانتخابات تعمل لصالحنا؟ ديموقراطية النضال الطبقي الاجتماعية من خلال صناديق الاقتراع صعبة للغاية، لأن المرشحين يواجهون حوافز للتسوية وضغط هيكلي: إدارة دولة رأسمالية يتطلب الحفاظ على ثقة الشركات  وأرباح المؤسسات التجارية. كانت هذه هي المعضلة التي واجهتها حكومة ميتراند. الحل في خلق بعض الضغط الخاص بنا. التظاهرات في الشارع وأعمال الإضراب يمكنها معاقبة المرشحين المنفلتين على اتخاذهم دربًا يخالف أجندة إعادة التوزيع كما يمكنها إجبارالشركات على تقديم تنازلات للإصلاحيين بمجرد انتخابهم.

ومع ذلك لاتزال هناك معضلة لم تُحل بعد: نحن بحاجة لقاعدة جماهيرية للفوز بالإصلاحات لكننا نناضل لحشد بهذه القاعدة دون منح الناس دليلًا على أن السياسة يمكنها تغيير حياتهم للأفضل.

سيقوموا بفعل أي شيء لإيقافنا

كانت أيام ترامب الأولى في الرئاسة درسًا جيدًا في نظرية الدولة الماركسية. لقد أحضر معه مجموعة متناقضة من السياسات: تحدٍ يميني شعبوي لكل من حلف الناتو وشبكة صفقات تجارة حرة تقودها الولايات المتحدة، وعلى الناحية الأخرى، تعهدات جمهورية تقليدية أكثر لصالح الشركات. الأجزاء التي مرت، وهو أمر ليس بالعجيب، هي تلك الأجزاء التي وجدها رأس المال مقبولة أكثر. تم تمرير تخفيضات الضرائب المدعومة من بول ريان، لكن خطط ترامب الحمائية الأكثر تشددًا تعثرت، وتلاشى ستيف بانون، وتلاشت أحلامه في بناء برامج وظائف ضخم جول بناء البنية التحتية بتمويل من العجز.

إن كانت هذه هي الضغوط التي تقع على ترامب بشكل متزايد، يمكننا فقط أن نتخيل القوى التي يمكن أن تُلقى على ساندرز رئيسًا في 2021. لسبب واحد، قد يكون عليه أن يتعامل مع عداء إعلامي شرير–كل سياسة أو اقتراح جديد سيتم تلطيخه بشكل ممنهج، بمساعدة حريصة من ديمقراطيين الشركات.

قد يوفر مثال السنوات الأولى لجيريمي كوربن كقائد لحزب العمال عرضًا مفيدًا. بانقضاء مدته الأولى، واجه كوربين محاولات تشويه من كلًا من المحافظين والأصوات الحاكمة في حزب العمال، بالإضافة إلى تحرك من داخل حزبه نفسه لإزالة العديد من مؤيديه من قوائم التصويت، والعديد من التحديات الأخرى. من اتهامات بمعاداة السامية والتمييز الجنسي، إلى بنقد معارضته لتصويتٍ ثانٍ على الخروج من الاتحاد الأوروبي، اتخذت معارضة كوربين الداخلية ذريعة تقدمية لتقويض قيادته.

والأهم هو دور إضرابات رأس المال–شركات تختار التوقف عن الاستثمار حتى تسود “ظروف مناسبة” أكثر، ابتزازٌ للعمال المصوتين لليسار بهذه العملية. بعض هذه التهديدات ستكون أقل درامية من غيرها. سلط البرلماني العمالي توني بين الضوء على الإجبار الممل الذي جاء ومعه سلطة: قم بما نريد، وسنجعلك تظهر بشكل جيد؛ حاول اتباع أجندتك الخاصة، وسنجعل حياتك مستحيلة.

مطالبنا العاجلة يمكن تحقيقها حقًا

من المستحيل حل أزمة الديموقراطية الاجتماعية : حتى عندما تكون معادية للرأسمالية شكليًا، إنها تعتمد على ربحية مستمرة للشركات الرأسمالية الخاصة. لم تتم متابعة تطلعات الدخول في اقتصاد سياسي بديل منذ لجان التأمين بين الحربين العالميتين. وبشكل مشابه، أسقطت محاولات تصور تحول تدريجي أكثر إلى الاشتراكية ابتداءًا من وجود دولة رفاه كنقطة بداية منذ الإخصاء الأخير لخطة مايدنر في السويد في أواخر السبعينات.

لكن هذا لا يعني أنه لا توجد مساحة لنا للفوز بإصلاحات بين الحين والآخر. لنأخذ الولايات المتحدة على سبيل المثال، وهي دولة ليست قريبة حتى من وجود مشاكل تبطئ التقدم نحو حدود الديموقراطية الاجتماعية. رعاية صحية للجميع، أو إلغاء تسليع سدس أهم اقتصاد في العالم، لا يبدو بعيد المنال. يمكننا أيضًا ضمان الحصول على طعام مغذٍ، إسكان سالم وآمن، رعاية مجانية للأطفال، وتعليم عام على كل المستويات. يجب أن تتمحور المطالب الأخرى حول السماح للناس بالتنظيم الحر للنقابات والتفاوض الجماعي، ما يساعد على إعادة بناء الوكالة السياسية اللازمة لدعم وتعميق الإصلاحات.

لحسن الحظ، لا يتعين على الولايات المتحدة التعامل مع منظمات تتجاوز الحدود القومية معادية للديموقراطية مثل منطقة اليورو، كما أنها لديها موارد هائلة للعمل عليها. في نهاية المطاف نحن نطمح لما هو أكبر من “الاشتراكية في دولة واحدة،” لكن إن كانت ممكنة في أي مكان، فهي ممكنة هنا.

دفع السلطة التشريعية لتحقيق هذه الإصلاحات لن يكون سهلًا. لكن من الممكن تحقيق أهداف اشتراكية معينة داخل الرأسمالية. كما شهدنا في تاريخ الديموقراطية الاجتماعية، أي إنجازات ستكون عرضة للكوارث وستُقاوم مع كل خطوة، لكنها، ومع ذلك، ضرورية معنويًا وسياسيًا.

لقد تغيرت الطبقة العاملة خلال المائة وخمسين عام الماضيين–لكن ليس بالقدر الذي نظنه

لن يكون الاشتراكيين فعالين إذا وجِدّنا وحيدين في حرم الجامعات أو قضينا وقتنا في مهاجمة بعضنا البعض على وسائل التواصل الاجتماعي. على مدى القرن ونصف الماضي، كانت الطبقة العاملة مركز سياسات الاشتراكيين لسبب. لم يشف الماركسيون طابعًا رومانسيًا على العمال لأنهم كانوا مقموعين، ولأنهم نُزعوا من أرضهم، ويعانون في مصانع مزدحمة وعشوائيات بائسة. لقد انتبهوا للطبقة العاملة لأن العمال كانوا أقوى من أي مجموعة أخرى خاضعة السيطرة: الرأسماليون يعتمدون على عملهم للحصول على الربح، وعند تنظيمهم، يمكن للعمال وقف هذا العمل للفوز بإصلاحات.

تغيرت بعض الأشياء منذ أن نشر ماركس كتاب رأس المال منذ مائة وخمسون عامًا، أو حتى منذ أن تولى الحكم أحزاب يسارية قوية من كينجستون في جامايكا، إلى ستوكهولم بالسويد، في الستينيات والسبعينيات. كان هناك وقت عندما كان يمكن للمرء فيه التعرف فورًا على حي للطبقة العاملة  في مكان مثل تورينو بإيطاليا. صناعات قليلة كانت لتكون المصدر الرئيسي للتوظيف في المنطقة. عاش الناس مكتظين معًا، تجبرهم الرأسمالية على، إن لم يكن التضامن، فعلى الأقل مشاركة بعض القواسم. ووفاءًا لتشارك الحال هذا، صوت العمال بالأساس لأحزاب اليسار الواسع. كانت وظيفة الثوري هي إقناع العمال الملتزمين بسياسات إصلاح باعتناق سياسات انفجار.

قد تجد اليوم جيوب من أشخاص منظمين ينتمون للطبقة العاملة ويتمتعون بوعي طبقي على طول العالم الرأسمالي المتقدم، لكن هؤلاء هم الاستثناء، وليسوا القاعدة. إن الطبقة العاملة في القرن الحادي والعشرين مفتتة. كتب ويليام موريس في 1885 أنه وبينما العمال هم طبقة، يجب على الاشتراكيون أن يقنعوهم بأنه “يجب عليهم أن يكونوا مجتمعًا.” الآن، يجب علينا أن نقنعهم بالجزء الطبقي أيضًا.

على الرغم من أن الطبقة العاملة قد تغيرت، إلا أن من يدعون أن هذا العصر هو عصر “البركاريا” يبالغون في هذه التحولات. لا يوجد أي جديد فيما يخص معاناة العمال من الوظائف الغير مستقرة والرواتب الضئيلة. في نهاية المطاف، واجه كارل كاوتسكي سؤال تباين الطبقة العاملة في ثمانينات القرن التاسع عشر، الـ”عصر الذهبي” للبروليتاريا العمالية، مثلما فعل آنجلز عندما درس مانشستر في الأربعينيات. أيًا كان مظهر الأمان الموجود في الماضي فإنه لم يكن نتيجة للطابع الأصيل لرأسمالية “ما قبل النيوليبرالية” لكن نتيجة للنضال والتنظيم الناجح. عمال صناعة السيارات، على سبيل المثال، لم يكونوا نقابيين مقاتلين بطبيعتهم. حتى الثلاثينيات، كانت رينو وفورد وباقي المصنعين الكبار معادين للنقابات بنفس درجة وول مارت اليوم.

في الوقت الذي انخفضت فيه نسبة العمال الصناعيين في الصناعة التحويلية في العقود الماضية، إلا أن خطوط الاتجاه تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. لازال بإمكان العمال المتبقين في هذه القطاعات (والذين هم، بالأرقام المجردة، أكثر من ذي قبل) ممارسة سلطة اقتصادية هامة. ومع ذلك، لبناء تحالف أغلبية، يجب على الاشتراكيين التفكير على نطاق أوسع.

يتجاوز تصورنا عن الطبقة العاملة اليوم العمال الموظفون بشكل رسمي إلى الوكالة العمالية والسياسية الموجودة في المنازل والأحياء. لكن يجب أن يكون مكان العمل التقليدي مركزيًا في رؤيتنا. هذا يعني وضع تركيز خاص على عمال القطاعات النامية، مثل التعليم والرعاية الصحية، بالإضافة إلى هؤلاء العاملين في الإمدادات واللوجستيات. هذا أيضًا يعني تطوير روابط بين العاطلين والعاملين والسعي لممارسة أوسع للعمل على نقابية عدالة اجتماعية–تنظيم نقابي يتجاوز مطالب مكان العمل المعتادة–قادر على التعبئة لدعم شعبي أوسع يدعم الإضرابات والمبادرات السياسية اليسارية.

كم إجمالي عدد الأشخاص الذين نتحدث عنهم؟ في معظم المجتمعات المتطورة، لا يزال يتعين على ما يقارب من ستين بالمائة من السكان الاعتماد على الأجور من أجل البقاء ولا يمتلكون سوى القليل من الثروة أو لا يمتلكونها على الإطلاق. هؤلاء العمال مختلفون ومنقسمون كما كانوا في الماضي، ومع ذلك لاتزال لديهم القدرة على مقارعة النظام والفوز بمكاسب حقيقية. ببساطة، لا يمكن أن تكون لدينا سياسات تحررية داخل الرأسمالية لا تتمحور حول الطبقة التي تبقى على النظام دائرًا من خلال عملها. الاشتراكيون بحاجة إلى النشوء داخل هذه الطبقة، إلى محاولة خلق ثقافة حول هذه الطبقة، إلى التنظيم من خلال هذه الطبقة، وليس إيجاد بديل لها.

العمل من داخل النقابات غير كافٍ من أجل تغيير تقدمي. يجب علينا أن نخوض معارك ديموقراطية داخلها

النقابات مهمة. قد لا تكون منظمات ثورية، لكنها قاطرة العمال الأساسية في المعركة مع رأس المال على غنائم الإنتاج. اليوم، وعلى الرغم من تنظيم 11 بالمئة فقط من القوة العاملة الأمريكية، لا تزال النقابات هي المؤسسات الوحيدة القادرة على ممارسة ضغط سياسي بالمستوى المطلوب لمقاومة النخب الوطنية. من المهم الإشارة إلى أنهم يبدون أقل شبهًا بالقوة العاملة الصناعية في القرن التاسع عشر وأكثر شبهًا بالطبقة العاملة في القرن الواحد والعشرين الأكثر تنوعًا. على الرغم من أن صورتهم في العقل الرائج لم تلحق بالركب، النقابات اليوم تمثل عمالًا سودًا ولاتينيين وعاملات.

تخدم النقابات غرضًا أبعدد من التفاوض الجماعي: أي أنها يمكن أن تدفع العمال ليصبحوا أكثر وعيًا طبقيًا ولتعلم المهارات السياسية. ممرضة نشيطة في نقابتها يمكن أن تصبح معلمة ومُنظِمة.

لكن يمكن للنقابات أن تكون فعالة في المحاربة من أجل مصالح أعضائها وتطوير هذه الطاقات في حال سُمح لجميع الأعضاء لعب دور حيوي داخلها. بجانب حالات فسادٍ واضحة، النقابات الأمريكية هي غالبًا هرمية وبيروقراطية للغاية. يهيمن عليها موظفون يعملون بدوام كامل ومسئولون يتقاضون راتبًا. الأعضاء يدربون على رؤية نقاباتهم كمنظمات خدمية. غالبًا ما تقتصر تفاعلات العمال مع  نقاباتهم على اقتطاع المستحقات تلقائيًا واستشارات موجزة بخصوص التفاوض على الأجر أو تأييدات سياسية. تتوافر لديهم أسباب بسيطة للذهاب إلى اجتماع نقابة.

يحتل موظفي النقابة موقعًا متوسطًا بين إدارة الشركة والعمال العاديين. يعمل الاستقرار الذي يوفروه لصالح الجميع في بعض الأحيان، لكن في الوقت الذي يمكن للعمال فيه إحداث تقدم من خلال الإضرابات، عادة ما تفضل البيروقراطية العمالية الاستقرار. يمكن رسم مشابهة بين هيكل الأحزاب السياسية، حيث تفضل القيادة غالبًا الحذر على الأفعال الجريئة.

لا شك في أن درجة ما من التخصص ضرورية، والعمال العاديين لا يريدون أن يخضعوا لاجتماعات لا نهاية لها، لكن بدون سُبل لمشاركة ورقابة العضوية، ستستمر الفجوة بين “محترفي” النقابة والأعضاء في النمو، وسيشعر العمال بارتباط أقل وأقل بنقاباتهم.

باختصار: نحتاج إلى أن نقوم بما هو أكثر من الدفاع عن النقابات القائمة من هجمات اليمين. هدفنا يجب أن يكون هو تحويلها إلى قاطرة نقابية أكثر ديموقراطية وأكثر توسعًا من خلال تسهيل اشتباك العضوية وخلق هياكل تجعل القيادات خاضعة أكثر للمحاسبة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نكتفي بإضفاء طابع ديموقراطي إلى حركة تتضائل–إن إيجاد طرق لتنظيم اقتصاد القرن الواحد والعشرين لاستعادة الكثافة النقابية هي مهمة رئيسية اليوم.

سياستنا يجب أن تكون عالمية

العنصرية موجودة منذ قرون، والاضطهاد الجنسي من مدة أطول. كلاهما كان موجودًا مع بداية الطبقة العاملة الحديثة، ولا يجب أن نعتمد على أن التعصب بين الناس سيختفي ببساطة من خلال ثورة اشتراكية، فما بالك بإصلاحات اشتراكية.

سجل القمع الاشتراكي متباين لكنه لا يزال أفضل من أي تراث سياسي آخر. أغلب الماركسيين في التاريخ كانوا أشخاصًا ملونين: لا يحتاج المرء إلا أن يستدعي تَوَالُد حركات التحرر الوطنية ذات القيادة الماركسية في القرن العشرين ليقدر هذه الحقيقة. الاشتراكيون أيضًا لطالما كانوا في طليعة النضال ضد قمع النساء ومن أجل التحرر الجنسي. كانت تحركهم دائما فكرة أن أي نضال من أجل العدالة بحاجة لمعالجة أسئلة أساسية تتعلق بتوزيع السلطة والموارد.

ومع ذلك، منذ الهزيمة الأوسع للحركات ذات الأساس الطبقي في السبعينيات والثمانينات، ملأ الفراغ نضالات ضيقة تعالج غياب العدالة على أساس هوياتي. هذه الحركات فازت ببعض المكاسب الهامة في مجالي الثقافة والتمثيل، محسنًة حياة الملايين. (أنا سعيد لأني نشأت في نسخة التسعينيات لأمريكا، وليس نسخة الخمسينيات) لكن العديد من هذه الانجازات نجحت بالأساس في تنويع نخبتنا، وليس تحسين حياة معظم المقموعين. عالم يكون فيه نصف الـ500 مدير تنفيذي للثروة هم نساء وعدد قليل منهم بيض بالتأكيد سيكون أفضل من عالمنا، لكن لا يزال هذا لا يعني الكثير إذا كان هناك العديد من الأطفال الفقراء يعانون من نفس القمع الذي يعانوه الآن. بدون ركيزة السياسات الطبقية، أصبحت سياسات الهوية أجندة لنيوليبرالية إدماجية والتي يمكن فيها معالجة هواجس الفرد ولكن ليس أوجه عدم المساواة البنيوية.

بالتأكيد لا يزال أمامنا طريق طويل قبل أن نساوي الفرص داخل النظام النيوليبرالي الحالي. لا يجب على الاشتراكيين رفض خبرات الناس، لكن إذا أردنا أن نواجه القمع من جذوره، نحتاج إلى طرح أسئلة حول إعادة توزيع السلطة والثروة–أي ، أسئلة متجذرة في الطبقة. وكما صاغها مارتن لوثر كينج في 1967 “الآن، نحن لا نناضل من أجل إدماج على طاولة الغداء. نحن نناضل من أجل الحصول على بعض المال لنتمكن من شراء البرجر أو ستيك عندما نجلس على الطاولة.

الاشتراكيون أيضًا بحاجة للمجادلة ضد فكرة أن العنصرية والتمييز الجنسي أمر فِطْرِيّ وأن وعي الناس لن يتغير بالنضال. العنصرية أخذت دورًا متجاوزًا للطبيعة تقريبًا في السياسات الليبرالية–إنها بطريقة ما سبب معظم الظواهر الاجتماعية  وتفسيرها ونتيجتها. الحقيقة هي أن الناس يمكنهم أن يتغلبوا على أشكال التمييز لديهم في عملية النضال الجماهيري من أجل المصالح المشتركة، لكن هذا يتطلب إشراك الناس في هذه النضالات المشتركة بدايةً.

لا يرفض الاشتراكيون المعارك ضد القمع لكنهم بدلًا من ذلك يحاولون ضم تلك المعارك إلى حركة عمالية أوسع. يجب أن نسعى جاهدين إلى استئصال التعصب والشوفينية وأي شكل من أشكال التمييز داخل منظماتنا. هذا يعني أخذ المساواة بجدية، ليس كهدف للمستقبل البعيد لكن كممارسة الآن وهنا. لكن هذا يستلزم أيضًا تجنب “ثقافة استدعاء” ضيقة بالإضافة إلى ذلك النوع من سياسات الهوية والتي، بأخذها إلى أقصى حدودها، ستؤدي بنا إلى سياسات شديدة الفردية ومعادية للتضامن. المبالغة وسياسات الوصم الفردي هي وصفةٌ لتثبيط الهمم وجنون الارتياب والهزيمة.

الفرضية الاشتراكية واضحة: الناس في صميمهم يريدون الكرامة والاحترام وفرصة عادلة في حياة جيدة. إن السياسات الطبقية ديموقراطية هي الطريقة الأمثل لتوحيد الناس ضد عدونا المشترك والفوز بنوع التغيير الذي سيساعد أغلب المهمشين، كل ذلك في أثناء خوض حملة أطول ضد القمع المتجذر في العرق والجنس والميول الجنسية وأكثر من ذلك.

التاريخ مهم

إن لم يكن هذا، هذا ما يسعى الكتاب لإظهاره. بينما تبدو الحماسة حول الاشتراكية جديدة بالنسبة للعديد من للعديد من الناس خارج الحركة (والعديدين داخلها أيضًا)، لدينا أمل ضعيف في إدراك أهدافنا إن لم نتعلم من هؤلاء الذين زحفوا ونظموا وحلموا قبلنا.

الدروس والتحليلات التي يقدمها الاشتراكيون–بجانب الإطار الماركسي– مهمة لرسم خطط طريقة للخروج من اللامساواة الحادة اليوم إلى مجتمعٍ عادل. من الضروري أيضًا أن يكون لدينا تراث يمكن للناس الإشارة إليه. في هذا العصر من التفتيت والاغتراب، يمكن لهذا التراث ان يعطينا فهمًا لمكاننا في التاريخ ومعنىً لعملنا. هذا لا يعني أن حركة طبقية شعبية من أجل سياسات إعادة توزيع تحتاج إلى أن تكون اشتراكية بجلاء للفوز بإصلاحات، لكن هناك حاجة لوجود الاشتراكيين داخل حركة كهذه لتوفير رؤية ولدفع الأشياء للأمام.

بطبيعة الحال، هناك أيضًا دروس من فترة الحركات الشيوعية في السلطة: صعوبات التخطيط المركزي وأهمية الحقوق والحريات المدنية وما يحدث عندما تتحول الاشتراكية من حركة ديموقراطية من أسفل إلى سلطوية جماعية. لكن التعددية والديموقراطية متأصلتان ليس فقط في المجتمعات المدنية في العالم الرأسمالي المتقدم لكن في الحركة الاشتراكية نفسها. ما يبدو أكثر أهمية هو دروس الديموقراطية الاجتماعية، أي أن قوة رأس المال المعادية للديموقراطية ستغمر الإصلاحات الموالية للعمال المدعومة ديموقراطيًا.

لكن ماذا بشأن الهدف النهائي للاشتراكية–توسيع الاشتراكية بشكل جذري في مجتمعاتنا وأماكن عملنا، ووضع حد لاستغلال البشر على يد بشر آخرون؟ بشكل أساسي، الاستراتيجية السياسية لليسار لابد أن تضع هذه الأسئلة الراديكالية، واحدة تلو الأخرى، على الطاولة، بينما تناضل من أجل أن يظل معبئًا. وبينما ندافع عن مكاسبنا الجديدة، لابد وأن نحارب لتجنب إضفاء الطابع البيروقراطي المعطل الذي دفع الحركات الاجتماعية الديموقراطية العظيمة في بدايات القرن العشرين إلى موائمة مع النظام لهزم الذات. لن يكون الأمر سهلًا، لكن لدينا عالم لنفوز به.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: