التطور اللامتكافئ: رأس المال والطبيعة وإنتاج الفراغ الاجتماعي

المقال هو مقدمة كتاب نيل سميث “التطور اللامتكافئ”

ترجمة ياسر عزام

مقدمة

يتناول هذا الكتاب جغرافيا السياسة وسياسية الجغرافيا، لذا فهو يحاول دمج إرثين حظيا حتى وقت قريب بقليل من الإثراء المتبادل. إذا كان العمل نظري الجوهر والعرض، فإنه آني الدافع. بالكاد يمكن للمرء أن ينظر للعالم اليوم دون أن يدرك كيف شهد العالم، على يد رأس المال، إعادة هيكلة ناشئة في الفراغ الجغرافي أكثر درامية من أي وقت مضى. تقويض الصناعة والتدهور الإقليمي، تغيير النسيج الاجتماعي والنمو خارج المدن الكبرى، التحويل الصناعي للعالم الثالث وتقسيم دولي جديد للعمالة وقومية مكثفة واعتبارات جغرافية جديدة للحرب — هذه ليست تطورات منفصلة بل أعراض تحول أكثر عمقا في جغرافيا الرأسمالية. في أبسط المستويات، يهدف هذا العمل لكشف المنطق النظري الذي يدفع هذه الإعادة لهيكلة الفراغ الجغرافي.

يزودنا الإرث الأول، الخاص بالجغرافيا الأكاديمية، بالمفاهيم الأرثوذكسية للفراغ الجغرافي والبيئة، بالإضافة إلى تحليل العلاقات المكانية على سطح الأرض. مفتونة لفترة طويلة بنوع غريب من المذهب التاريخي الكانطي الجديد، تخلت الجغرافيا الأكاديمية عن رداء القرن الثامن عشر الذي ارتدته في الستينات لصالح فلسفة معرفية معادية تماما للتاريخ. على الرغم من عدم تعرضها للتحدي بأي وسيلة من الوسائل، يسيطر على هذا الإرث مفهوما مجردا لفراغ مطلق؛ الفراغ (جنبا إلى جنب مع الوقت) هو نسق أساسي للواقع، حقل، صندوق غير متغير وعالمي ولا نهائي تحدث بداخله الأحداث المادية. وفقا لهذا الإرث، فإن إعادة هيكلة الفراغ لا معنى لها إلا كناتج للقوى والقوانين الفيزيائية الأكثر عالمية: إن النشاط البشري لا يعيد هيكلة الفراغ؛ إنه ببساطة يعيد ترتيب الأشياء في الفراغ. وبالنظر من خلال هذه المجموعة من العدسات الفلسفية، تظهر أعراض إعادة الهيكلة المكانية على هيئة العديد من العمليات المنفصلة على مستويات منفصلة لأسباب وتفسيرات منفصلة للغاية. لأن العدسات أولية للغاية، ينكسر النمط الحقيقي إلى شظايا.

الإرث الثاني هو ذاك الخاص بالتحليل السياسي للمجتمع الرأسمالي. على النقيض من الإرث الجغرافي، النظرية الماركسية تاريخية بشكل جَلِيّ، وهذه واحدة من نقاط قوتها. تحاول النظرية الماركسية تفسير الهيكل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمجتمع في فترة محددة، ليس كونه نتاج القوى الكونية المفترضة (الطبيعة البشرية على سبيل المثال)، لكن كنتيجة لعمليات تاريخية عَرَضِيّة محددة. لا يقتصر الأمر على المنافسة والسوق، النمو الاقتصادي وحافز الربح عَرَضِيّين تاريخيا، إلا أن الشكل الذي يأخذونه يتغير ويتطور داخل تاريخ الرأسمالية نفسها. قوة أخرى للنظرية الماركسية هي النظرة العلائقية التي تعامل المجتمع الرأسمالي ككل مترابط (إن لم يكن متناسق)، وليس ككتلة من الشظايا. نقاط القوة هذه تجعل هذا الإرث حساس بشكل خاص لإعادة الهيكلة المعاصرة للمجتمع الرأسمالي. لكن ما تحوزه في الحساسية التاريخية تفتقده في الحساسية الجغرافية، ربما لأن الماركسيون، وعلى الرغم من المنهج التاريخي، مالوا لقبول المفهوم البرجوازي التقليدي للفراغ باعتباره منفصلا عن المجتمع. فقط في حالات منعزلة من تحليل انفصال المدينة والقطر، ولضرورة الأممية، يقوم الماركسيون بتجاوز هذا الإذعان للمفهوم البرجوازي عن الفراغ. ولَمّا كان لدى هذا التراث المقومات النظرية اللازمة لاستيعاب إعادة الهيكلة المعاصرة للفراغ الجغرافي، لذا، فقد مال لافتقاد الحساسية الجغرافية المطلوبة.

في محاولة أكثر اكتمالا لاستيعاب إعادة هيكلة الفراغ الجغرافي، بدأ عدد من الباحثين باستكشاف التقاطع بين الإرث الجغرافي والماركسي.1 بشكل عام، ينصب التركيز محل التطور على سؤال: ما هي جغرافية الرأسمالية؟ ما هي الأنماط والعمليات المكانية التي تميز الرأسمالية، وهل تتغير مع المزيد من تطور الرأسمالية؟ يمثل هذا في حد ذاته تطويرا كبيرا لكلا الإرثين. إنه يقدم للجغرافيا إمكانية وضع العدسات الفلسفية في المحور التاريخي، وبالتالي فتح عالم جديد تماما تخلق فيه المجتمعات البشرية جغرافيتها الخاصة. إنها تقدم للماركسية الفرصة لتوسيع نطاق اختصاص النظرية الماركسية للمجال الجغرافي، وأيضا تعميقها، بحيث يمكن فهم الأساس المكاني والطبيعي للمشهد الاجتماعي من خلال النظرية الماركسية.

يفحص معظم العمل الناشئ على جغرافية الرأسمالية ببعض التفصيل عملية التطور الغير متكافئ، والتي أصبحت فكرة رائجة بل تقليعة مسايرة للموضة في العقد الماضي. شديدة المسايرة للموضة في الحقيقة والتي، مثلها مثل كل التقاليع، تُفهت سريعا. على سبيل المثال، يمكن للمرء أن يرى كيف يمكن أن يعامِل الجغرافيون التطور الغير متكافئ كعملية كونية غير تاريخية، متفوقة قليلا على الصيرورة الحتمية للاستحالة الأبدية للتطوير المتكافئ: “كل شيء يتطور بشكل غير متكافئ.” والأكثر إزعاجا هو أن تجد ماركسيون، على الرغم من حدية نظريتهم، يستسلمون لنفس الاستهانة. إن التطور الغير متكافئ أمر أساسي لتكشف الرأسمالية بدرجة كبيرة على أن يتم تجاوزه كشيء مألوف وإضافته إلى قائمة الكلمات الطنانة عن عمليات تستحق فقط خدمة شفهية. الفكرة هي أن التطور الغير متكافئ هو السمة المميزة لجغرافيا الرأسمالية. الأمر ليس أن الرأسمالية تفشل في التطور بشكل متكافئ فقط، بحيث يمثل التطور اللامتكافئ للرأسمالية، نتيجة لعوامل عرضية وعشوائية، بعض الانحراف العشوائي من عملية متكافئة أعم. إن التطور الغير متكافئ للرأسمالية هيكلي أكثر منه إحصائي. إن الأنماط الجغرافية الناتجة محسومة (كمقابل لـ”حتمية”) ولذا فلا نظير لها بالنسبة للرأسمالية. في أكثر المستويات أولية، كما أرجو أن أُظهر، التطور الغير متكافئ هو التعبير الجغرافي الهيكلي عن التناقضات المتأصلة في بنية وهيكل الرأسمالية.

باحتلال الأرضية المشتركة بين الإرث الجغرافي والإرث السياسي، توفر نظرية عن التطور غير المتكافئ المفتاح الأساسي لتحديد ما يميز جغرافية الرأسمالية بعينها. بهذه الطريقة، السؤال جغرافي بالأساس. لكن لا يمكن للمرء فحص منطق التطور الغير متكافئ كثيرا دون إدراك أن هناك شيء أكثر تأصلا بكثير على المحك. إنه ليس مجرد سؤال عن ما تفعله الرأسمالية بالجغرافيا لكنه بالأحرى سؤال عن ما تستطيع الجغرافيا فعله بالرأسمالية. لذا، وبالإضافة إلى ضرورة السؤال الجغرافي، تخاطب نظرية التطور الغير متكافئ أيضا السؤال السياسي: كيف يساهم التكوين الجغرافي للموقع في بقاء الرأسمالية؟ من وجهة النظر الماركسية إذاً هو ليس سؤال عن تعميق الماركسية وتوسيع صلاحياتها، لكن ريادة جانب جديد تماما لتفسير ما يتعلق باستمرار حياة الرأسمالية في القرن العشرين. من منظور التراث الجغرافي، والذي يمثل استيعابا لكل فرص التمويل- بشكل خاص في الولايات المتحدة- النتيجة أقل درامية. الحكمة الجغرافية الشعبية هي أننا نعيش في عالم يتقلص، ذلك أن أنظمة المواصلات الرخيصة والمتطورة قللت من أهمية الفراغ الجغرافي والاختلافات الجغرافية، باختصار لقد سويت الهويات الإقليمية بحيث أصبحنا بشكل ما متجاوزين للجغرافيا. ما أناقشه هنا في اشتقاق نظرية التطور الغير متكافئ هو أنه مهما كانت الحقائق الجزئية التي تنقلها الحكمة الرائجة، فإن العكس هو الصحيح. الفراغ الجغرافي على جدول الأعمال السياسي والاقتصادي كما لم يكن من قبل. إن فكرة “المحور الجغرافي للتاريخ” تكتسب معنًا أكثر حداثة وأكثر عمقا مما قد يكون قد تخيله ماكيندر.2

إن لفكرة التطور الغير متكافئ ميراث في النظرية الماركسية، وقبل الشروع في المهمة التي بين يدينا، من الضروري أن نوضح أين يتموقع التحليل الحالي في سياق ما يسمى بقانون التطور الغير متكافئ. مدعيا الأصل الماركسي الحصري لفكرة التطور الغير متكافئ (والمركب)، ذهب ميندل بعيدا لدرجة تكفي ليقول أنه، وباستثناء عمل ماركس نفسه، لم تصبح أي فكرة ذات أصل ماركسي واضح شديدة التأثير والإنتشار في الدوائر البرجوازية.3 هناك شيء من الحقيقة في هذا حتى لو كان يميل للمبالغة. بيد أنه، في التراث الماركسي نفسه، لم يطور هذا المفهوم بشكل جيد. برز هذا بشكل ملحوظ في الصراع السياسي بين تروتسكي وستالين في العشرينات، خصوصا في السجالات حول الأممية و”الاشتراكية في بلد واحد.” كان، في هذا السياق، مصطلحا سياسيا أشار إلى التطور الغير متكافئ للصراع الطبقي ولتحدي الرأسمالية العالمية. وكما هو الحال مع العديد من جوانب الفكر الماركسي في القرن الواحد والعشرين، سيطر نمط التجاوب الذي أسسته الستالينية الناشئة في هذه الفترة على التناولات اللاحقة لهذه العملية.

في الواقع، فُحص التطور الغير متكافئ، كعملية منفصلة، بأي عمق لأول مرة على يد لينين الذي حاول رسم بعض الخطوط العريضة الاقتصادية والجغرافية لهذه العملية. على الرغم من أنه أشار إليه بشكل دوري في تحليلات لاحقة، إلا أن هذا العمل الإيحائي السابق لم يُطور أبدا.4 بعد ثورة 1905 فُسر مصطلح التطور الغير متكافئ من منظور السؤال السياسي الآني، وما إذا كانت الثورة الاشتراكية ممكنة في الأمم الأقل تقدما اقتصاديا حيث يفوق الفلاحين الطبقة العاملة عددا وحيث البرجوازية الناشئة ضعيفة. كان هذا هو المصطلح الذي استعاده تروتسكي ونقحه في معركته ضد ستالين، لذا يقترن “قانون التطور المركب والغير متكافئ بالتراث التروتسكي. مع هزيمة تروتسكي سقط المصطلح في حالة غموض، ولكن ليس قبل أن يتم استبدال محتواه الاقتصادي والجغرافي. مرتبطا بنظرية تروتسكي عن الثورة الدائمة، صمد المصطلح في الحركة التروتسكية كلفظ سياسي يشير إلى تطور علاقات الطبقة وتشريح الثورة.

إذا كان الاهتمام بالتطور الغير متكافئ في العقد السابق أو نحوه يدين بشيء للتراث الماركسي الكلاسيكي، فهو يدين بأكثر لتصاعد الاهتمام بالماركسية الذي تلا الستينات بالإضافة إلى الحدة الجغرافية للعملية الفعلية. إذا لم تُميز أهمية وهيكلية العملية منذ ثمانين عاما فهذا لأن النمط الجغرافي لتراكم رأس المال قد تغير بشكل مفاجئ منذ تلك الفترة. التطور الغير متكافئ، في المعنى الدقيق والمكثف الذي ينطبق في هذا العمل، هو بحق ظاهرة القرن العشرين. لذا يتضمن اشتقاق نظرية (متمايزة عن القانون) عن التطور الغير متكافئ حوارا ثانيا يتجاوز ذلك الذي بين التراث الجغرافي والتراث السياسي. كما أنه يتضمن حوارا تاريخيا بين التحليل النظري للرأسمالية المشتق في القرن التاسع عشر وحقيقة الرأسمالية حتى قرابة نهاية القرن العشرين.

ينبع منطق التطور الغير متكافئ تحديدا من النزعات المتناقضة، المتأصلة في الرأسمالية، تجاه التمايز، ولكن في نفس الوقت، مساواة مستويات وظروف الإنتاج. يُستَثمر رأس المال باستمرار في البيئة المبنية بغرض إنتاج فائض القيمة وتوسيع قوام رأس المال نفسه. لكن، وبشكل متساوي، يتم باستمرار سحب رأس المال من البيئة المبنية بحيث يمكنها أن تتحرك إلى مكان آخر واستغلال ميزة معدلات الربح الأعلى. إن تقييد حركة رأس المال الإنتاجي في شكله المادي لا يعد أكثر أو أقل ضرورة من التداول الدائم لرأس المال كقيمة. لذا فمن الممكن أن نرى التطور الغير متكافئ للرأسمالية كتعبير جغرافي عن التناقض الأكثر جوهرية بين قيمة الاستخدام وقيمة التبادل.

إن النمط الناتج في المشهد معروف: تطور في قطب وتخلف انمائي في قطب آخر. يحدث هذا في عدد من النطاقات المكانية. تلتقط نظرية التبعية ونظرية المركز والهامش ومختلف نظريات التخلف الانمائي شيئا من هذه العملية. لكن تركيزهم يميل ليكون على المستوى العالمي فقط، وقليلا ما تُستنبط الأبعاد الجغرافية للتطور الغير متكافئ. باختصار، هم لا يعرضون إطارا نظريا متطور بشكل جيد لفهم جغرافية الرأسمالية. المثير للدهشة ربما، أن العائق الأساسي لفهم هذه الجغرافية يأتي بدرجة أقل من جهلنا بأعمال رأس المال وبدرجة أكبر من أحكامنا المسبقة المتأصلة بعمق والشائعة عن الفراغ. يجب أن تدمج نظرية عن التطور الغير متكافئ بين الفراغ والعملية الاجتماعية على عدد من المستويات، ومع ذلك فإن وجهة نظرنا المنطقية عن الفراغ كحقل نشاط أو حاوية تجعل من الصعب تجاوز دمج ميكانيكي بين الفراغ والمجتمع؛ يعتبر الفراغ كـ”عاكس” للمجتمع. مطلوب هنا تغيير أساسي في المنظور. لفترة كنا كمنظرين قد نواجه مشاكل مفاهيمية ضخمة في تحقيق الدمج بين الفراغ والمجتمع، يبدو أن رأس المال يحقق ذلك على صعيد الممارسة بشكل يومي. ما يحققه في الحقيقة هو إنتاج الفراغ فى صورته الخاصة، واستكشاف هذه الفكرة سيؤدي إلى دمج أكثر تكاملا بين الفراغ والمجتمع في نظرية التطور الغير متكافئ. ليس فقط لأن رأس المال ينتج الفراغ بشكل عام، بل لأنه أيضا ينتج المقاييس المكانية الحقيقية التي تعطي التطور الغير متكافئ تماسكه.

في الحقيقة، يرتكز بناء الفراغ على على عملية إنتاج أكثر أساسية، عملية تبدو حتى أكثر وهمية أكثر وتصادم قبولنا التراثي لما بدا حتى الآن بديهيا. لا يوفر انتاج الطبيعة فقط أساسا فلسفيا لمناقشة تطور الرأسمالية الغير متكافئ، لكنه نتاج حقيقي لتطور هذا النمط من الانتاج. ما يصدمنا كثيرا في فكرة إنتاج الطبيعة أنها تتحدى الفصل التقليدي والمقدس للطبيعة والمجتمع، وهي تفعل ذلك بقدر من التحرر من التكلف وبدون خجل. لقد اعتدنا تصور الطبيعة كخارجة عن المجتمع، أصيلة وسابقة للإنسان، أو كعالم ضخم الإنسان فيه ليس إلا تروس صغيرة وبسيطة. لكن هنا مرة أخرى لم تلحق مفاهيمنا بالواقع. إنها الرأسمالية هي التي تتحدى فصلنا الموروث للطبيعة والمجتمع، وبكل فخر عوضا عن الخجل.

في سعيها المستمر لمراكمة كميات أكبر وأضخم من الثروة الاجتماعية تحت تحكمها، تحول الرأسمالية شكل العالم كله. لم يُترك باب لم يطرق، تغيرت كل العلاقات الأصيلة بالطبيعة، كل الكائنات الحية تأثرت. إلى هذه الدرجة ترتبط مشاكل الطبيعة والفراغ والتطور الغير متكافئ برأس المال نفسه. التطور الغير متكافئ هو العملية المتماسكة ونمط إنتاج الطبيعة في ظل الرأسمالية. سيصبح هذا أكثر وضوحا في مناقشة انتاج الطبيعة والتي تقلص نفسها في بعض الأحيان لمناقشة عن القيمة الاستعمالية وقيمة التبادل. لا يمكن أن يكون هناك عذر لتجسيد هذا المنظور: مع تطور الرأسمالية، يضع المجتمع الإنساني نفسه في مركز الطبيعة، وأصبح باستطاعتنا التعامل مع المشاكل التي خلقها ذلك فقط إذا عرفنا الحقيقة أولا.

إن تقدم العمل الحالي واضح. بعد دراسة أيديولوجيا الطبيعة (الفصل الأول) أُحاول رسم مخطط مفهوم بديل للعلاقة بالطبيعة، واضعا التركيز على إنتاج الطبيعة (الفصل الثاني). إذا ظهر هذين الفصلين الأولين مجردين طريقة ما وليسا في صلب الموضوع تماما، هذا بشكل جزئي بسبب تقسيمنا العرفي للطبيعة والمجتمع، وأرجو ألا يثبط ذلك من همة القارئ. أناقش في الفصل الثالث العلاقة بين الطبيعة والفراغ وأستنبط الدافع القوي داخل الرأسمالية لإنتاج الفراغ. ينصب التركيز في الفصل الرابع على العمليات الأساسية للمساواة والتمييز وعلاقتهم بتراكم وتداول رأس المال. يعمل هذا بمثابة الأساس النهائي للفصل الخامس والذي يقدم النظرية العامة للتطور الغير متكافئ. أعتمد هنا بشدة على الاستنتاجات المتعلقة بالفراغ والطبيعة من الفصول الأولى، لكن أيضا على تحليل ماركس للرأسمالية. فعندما يستخلص المرء التداعيات والأبعاد المكانية لتحليل ماركس، خصوصا في رأس المال، ستكون وقتها أسس نظرية التطور الغير متكافئ في متناول اليد. لذا يبدأ التحليل بتصنيفات فلسفية عامة أكثر والتي يجب أن تُجدد قبل بناء التحليل الفعلي للتطور الغير متكافئ.

في تطوير نظرية التطور الغير متكافئ سأتبع منهج المنطق التاريخي الذي استخدمه ماركس. في رأس المال “افترض أن قوانين الإنتاج الرأسمالي تعمل في شكل صاف. أما في الواقع الفعلي فليس هناك، دوما، سوى حالة تقريبية؛ غير أن هذه الحالة التقريبية تكون أكبر، كلما كان نمط الإنتاج الرأسمالي أكثر تطورا.” بكلمات أخرى، هذا الافتراض بشكل نقي ليس تجريدا اعتباطيا بل يحدث بالفعل تاريخيا؛ هذا الافتراض “يعبر عن حد [العملية] . . . ولذا يقترب باستمرار من عرض دقيق للواقع.”6 وسواء انطلق من التراث التاريخي المضطرب للإقطاع أو من بسيط مثالي مفترض، يصبح التطور الغير متكافئ أكثر حدة بشكل متزايد، في المشهد الجغرافي وكضرورة داخلية لرأس المال. يحاول هذا العمل التحليل النظري للعمليات التي ينتج عنها ذلك.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: