للرأسمالية خطوطها الحمراء

ترجمة فريق جدار

مراجعة محمد جلال

الكاتبة جوديث بتلر تناقش أزمة وباء الكورونا (كوفيد 19) وآثارها المتزايدة  على الوضع السياسي والاجتماعي في أمريكا 

بشكل ما، تتزامن قرارات العزل  مع إدراكنا لحقيقة جديدة عن التضامن العالمي فى زمن الكورونا. فعلى ناحية، مطلوب أن نعزل أنفسنا فى بيوتنا مع الأسرة أو شركاء السكن أو حتى وحيدين بين أربعة جدران محرومين نسبيًا من أغلب أشكال التواصل الاجتماعي. و على الناحية الأخرى، يواجه عالمنا فيروسًا  ينتشر بسرعة ويجتاح كل البلاد غير مكترثٍ بفكرة الحدود. وإذا كانت  الأسرة تُعد الملاذ الآمن بشكل عام فهذا ليس صحيحًا بالضرورة بالنسبة للكثيرين؛ فهناك من لا يمتلك سكنًا أو مأوى أو عائلة، خاصة مع تزايد أعداد المشردين فى أمريكا. 

فى الولايات المتحدة، تُصاغ استراتيجية وطنية وتُلغى ثم تظهر مرة أخرى في جو يسوده التخبط والتشويش. كما يبدو للرئيس ترامب أن سؤال من سيعيش أو سيموت هو مسألة مكسب و خسارة تُحددها الأسواق. وفي ظل ظروف كالتي نعيشها الآن، كيف نطرح السؤال حول العواقب التي ستنتج عن الوباء حتى نفكر فى تحقيق المساواة والتضامن العالمي و الالتزام الأخلاقي لكل منّا تجاه الأخر. ففي النهاية هذا الفيروس لا يُفرق بيننا بل على العكس يضعنا جميعًا على قدم المساواة؛ فكلنا مُعرضون للإصابة بالمرض، كلنا خائفون من ألم فقدان حبيبٍ أو شخصٍ مُقرب. وكلنا نعيش الآن فى العالم  نفسه مهددين بنفس الخطر. بينما يتضح أن الفيروس يعمل وفق خطة عالمية، فماذا عنّا نحن؟ لقد كشفت طريقة انتشار وتأثير الفيروس سهولة انهيار المجتمع البشري بأكمله بشكلٍ متساوي. وفي الوقت نفسه فشل العديد من الدول في التحضير المُسبق للأزمة (على رأسهم الولايات المتحدة)، ودعم الدول لسياسات قومية مُتطرفة وغلق الحدود والمعابر (غالبا تكون مُصاحبة بفوبيا الخوف من الأجانب)، بجانب ظهور رجال أعمال حريصين على تحقيق مكاسب على حساب معاناة الشعوب. كل هذه الشواهد تُبرهن على السرعة التى تقوى قضايا انعدام المساواة والسياسات القومية والاستغلال الرأسمالي في مناطق انتشار الوباء وتتزايد بسببها، وهذا ليس مُفاجئا بالطبع.

تستحضر سياسات الرعاية الصحية فى الولايات المتحدة نفسها بشكل لا نظير له. السيناريو الأول الذي يمكن تخيله هو أن نقوم بإنتاج وتسويق لقاح فعال ضد كوفيد 19. وبالفعل يحاول ترامب استغلال الموقف سياسيًا لصالح تأمين مستقبله الرئاسي وإعادة انتخابه، وذلك بمحاولة شراء حقوق ملكية حصرية للقاح لصالح الولايات المتحدة من شركة ألمانية (كيور فاك) تمولها الحكومة الألمانية. لكن وزير الصحة الألماني – الذي لم يكن مرحبًا بالفكرة- أكد للصحافة الألمانية أن هذا العرض تم رفضه نهائيًا. كما علق أحد رجال السياسة الألمانية “كارل لاوتربيخ” قائلًا “لابد من منع هذا العرض بكل طريقة ممكنة، الرأسمالية  لها حدود”. وأعتقد أنه يُشير إلى سياسة (الاستخدام الحصري) بما يعنس أنه يرفض الفكرة حتى إذا طُرحت من الجانب الألماني نفسه. عقد “ترامب” مؤخرًا اتفاقية مع شركة الأدوية (جيليد للعلوم) والتي بموجبها تمنح الشركة الحق الحصري لتطوير علاج (ريميدسيفير)، وهو دواء يُحتمل أن يعالج مرض (كوفيد 19). يتزامن هذا مع دعوة واحدة من كبرى شركات التسويق الدوائي (والمارت وسي- في-إس) البيت الأبيض لمناقشة وطرح حلول للأزمة. هذه الدعوة لا تكشف فقط عن سوء فهم لكيفية تطوير الأدوية، بل تكشف أيضًا عن خلطٍ بين قضايا الصحة العامة والتجارة الخاصة. منذ أيام قليلة، أكد “ترامب” بوضوح أن الصحة المالية للدولة هى صحتها الحقيقية وأن الحل المناسب هو وول ستريت، أو بمعنى أصح إعادة إحياء السوق الأمريكي. والنتيجة  كالعادة هى تفضيل التجارة حتى وإن كان على حساب زيادة الوفيات، هذا مُبَرر من وجهة نظر الرئيس “ترامب”. ليترك انطباعًا صريحًا أنه لا بأس إن فقدنا بعض ممن هم أكثر ضعفًا في المجتمع مثل كبار السن و المشردين، أو من لديهم ظروف صحية خاصة.

أعتقد أن تساؤلنا حول ما يفكر فيه ترامب أو حتى اندهاشنا هو بلا معنى، برغم حالة الغضب التي  تتملكنا. و هذا لا يعني إطلاقًا أن حالة الغضب تقل مع كل موقف غير أخلاقي سلطوي أو إجرامي. حتى وإن نجح ترامب في شراء العلاج وإتاحته حصريًا للمواطنين الأمريكيين، هل يعتقد أن الشعب الأمريكي سيصفق لجهوده مُنتشيًا بفكرة إنقاذه لهم، هم فقط، من خطر الموت في الوقت الذي لا تمتلك فيه الشعوب الأخرى هذا العلاج؟ هل حقًا يؤمن الشعب الأمريكي بمثل هذا التوجه القومي المُتطرف؟ و إن كان الأثرياء فقط هم من يستطيعون الحصول على العلاج؛ هل من المتوقع منّا أن نقبل بهذا التطرف والانحطاط وانعدام المساواة تحت رحمة سياسة السوق الحر والاستغلال؟ هل من المتوقع أن نقبل بما يصفه ترامب بـ “الصفقة العبقرية” فى ظل ظروف كهذه؟ هل يتخيل أن أغلب الشعب الأمريكي يؤمن بحتمية ترك السوق الحر يتحكم بتطوير العلاج وكيفية توزيعه؟ هل يمكن حتى أن يفكر ترامب بأن أزمة صحية عالمية كالتي نمر بها لابد وأن تتجاوز منطق وسياسة السوق الحر؟ هل هو على حق حين يفترض أننا نعيش في عالمه وفقا لمتغيراته هو؟ 

حتى وإن لم يتم تطبيق هذه القيود على أساس الجنسية فسنرى الأثرياء و أصحاب التأمينات يتسابقون للحصول على العلاج لتأمين احتياجهم. وإن ضمنت طرق التوزيع أن البعض يحصل على العلاج؛ سيتم التخلي عن البعض الأخر لحين التأكد من أحقيتهم للحصول عليه بشكل مُدعم. إن غياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية سيُجبر الفيروس على التفرقة والتمييز، حتى وإن كان الفيروس في حد ذاته لا يُفرق. نحن البشر نُمارس التفرقة بلا شك ويساعد فى تشكيل ذلك؛ الخطاب القومي و العنصرية و الخوف من الأجانب والرأسمالية. يبدو أننا فى العام القادم سنكون أمام حقيقة مؤلمة وهي أن البعض ليس لديه مانع من أن يعيش على حساب التضحية بالآخرين تحت مُسمى زائف، لإعادة تقييم حياة الإنسان على أساس أن حياة البعض ذات قيمة ويجب حمايتهم والحزن عليهم، وآخرون لا قيمة لحياتهم ولا داعي لحمايتهم من المرض والموت. 

كل هذا يحدث فى عكس اتجاه السباق الرئاسي الحالي ويجعل فرص مرشح مثل “بيرني ساندرز” بعيدة المنال في الحصول على دعم الحزب الديموقراطي. التوقعات الجديدة تُقر بأن المرشح “بيدن” يتصدر المشهد، وهى توقعات مُحبطة خاصة بعد أن أعلن “بيدن” فيما قبل عن نواياه في وقف التمويل الحكومي عن المُسنين. في الوقت نفسه الذي ساند فيه كل من المرشحين “وارين” و”ساندرز” نظام رعاية صحية شامل للجميع، والذي يوفر و يضمن الخدمات الصحية الأساسية لجميع المواطنين. من شأن برنامج  كهذا أن يضع حدًا لاستغلال شركات التأمين الخاصة التي تتخلى عن المرضى وتفرض نفقات طائلة غير قابلة للدفع حرفيًا، بل وتُكرس بقسوة لفوارق طبقية بين المؤمن عليهم وغير المؤمن عليهم. يمكن وصف توجه “ساندرز” الاشتراكي لنظام الرعاية الصحية على أنه رؤية ديمقراطية اشتراكية بحق، التوجه الذي لا يختلف جوهريًا عن توجهات “إليزابيث وارين” التي أعطته الأولوية فى المراحل الأولى  من حملتها الانتخابية. الخدمة الصحية من وجه نظر ساندرز هى حق لكل إنسان وأن لكل إنسان الحق فى الرعاية الصحية التي يحتاجها. لعل حقوق الإنسان تميل لاعتبار الفرد هو محورها، ولكن السؤال لماذا لا نعتبر قضية الرعاية الصحية التزام مجتمعي نابع من فكرة أننا جميعا نعيش مع بعضنا البعض؟ لكى تحظى فكرة كهذه على إجماع شعبي كان لابد على كل من “ساندرز” و”وارين” إقناع الشعب الأمريكي بالرغبة في بناء عالم لا يمكن أن ننكر فيه حق البعض في الرعاية الصحية. بمعنى أنه من غير المقبول على الإطلاق أن يكون العلاج ضد الفيروس مُتاحًا للبعض لينقذ حياتهم بينما يُعاني الآخرون ويتم التخلي عنهم وتركهم للموت لعدم امتلاكهم قدرة مادية أو تأمين شامل، أو حتى لعدم امتلاكهم تصريح إقامة أو تأشيرة قانونية تعطيهم الحق في الحصول على العلاج.

أحد الأسباب التي جعلتني أصوت لصالح المرشح “ساندرز” فى التصويت المبدئي لولاية كاليفورنيا بجانب غالبية الديمقراطيين المسجلين في الانتخابات التمهيدية هي أنه -بالإضافة إلى وارين- مَهدا الطريق لإعادة تخيل عالمنا كما لو كان محكومًا برغبة راديكالية في تحقيق المساواة؛ عالم نتحد فيه لنُصمم على أن تكون المقومات الأساسية للحياة، والتى تشمل الرعاية الصحية، مُتاحة للجميع بغض النظر عن هويتنا أو ما إذا كنا نمتلك القدرة المادية من عدمه. 

هذه السياسة كانت لتؤسس تضامنًا مع الدول التي تلتزم بنظام رعاية صحية شاملة، وبالتالي كانت لتؤدي إلى تأسيس سياسة رعاية صحية عابرة للحدود لتحقق بدورها النموذج المثالي للمساواة. تُظهر الاستطلاعات الجديدة للرأي العام ضيق الخيارات الوطنية المُتاحة لتقتصر على “ترامب” و”بيدن” بالتزامن مع غلق الوباء للحياة اليومية، مما يُزيد من صعوبة الوضع على المشردين و الفقراء وغير المؤمن عليهم.

فكرة احتمالية أن نُصبح شعب يتمنى رؤية عالم يعتمد سياسة رعاية صحية مُلزمة بحماية حياة الجميع بالتساوي، سياسة تُفكك سيطرة السوق على نظام الرعاية الصحية الذي يُفرق بين من يستحق ومن يمكن التخلي عنه بسهولة للمرض والموت. تلك الفكرة كانت على قيد الحياة لفترة وجيزة. لقد تمكنّا من فهم حياتنا بشكل مختلف حينما أتاح كل من “ساندرز” و “وارين” هذه الإمكانية للرأي العام. فهمنا أنه يُمكننا التفكير والتقدير خارج الإطار الذي وضعته لنا الرأسمالية. و برغم من أن “وارين” لم تعد مرشحة ومن غير المحتمل أن يستعيد “ساندرز” هذا الزخم الذي اكتسبه سابقًا؛ لابد و أن نستمر فى التساؤل خاصة الآن: لماذا مازلنا نُعارض معاملة كل البشر على أنهم ذوي قيمة متساوية؟ لماذا لايزال البعض مُتعطشًا لفكرة “ترامب” المُتمثلة في السعي لتأمين العلاج (اللقاح) الذي سيُنقذ حياة الأمريكيين قبل حياة الآخرين مثلما ذكر؟ لقد أثار هذا المُقترح عن الرعاية الصحية الشاملة الخيال الاشتراكي في الولايات المتحدة، والذي يجب أن ننتظره حتى يُصبح قادرًا على أن يكون سياسة عامة والتزامًا فى هذه الدولة.

مع الأسف؛ فى وقت الجائحة لا يمكن لأحدٍ منّا أن ينتظر. الفكرة يجب أن تظل حية فى الحركات المجتمعية التي ترتكز على الحملة الانتخابية بشكل أقل منها على الصراع طويل الأمد الذي ينتظرنا. كان لدى تلك الرؤى الشجاعة الحالمة التي يسخر منها الرأسماليون “الواقعيون” ويرفضونها مُتسعًا من الوقت، كما جذبت اهتمامًا كافيًا سمح لعددٍ متزايدٍ من الأشخاص -كانت تلك هي المرة الأولى لبعضهم- بالرغبة في عالم مختلف. على أمل أن نُبقى هذه الرغبة قيد الحياة خاصة  الآن، في الوقت الذي يقترح فيه ترامب رفع القيود عن الحياة العامة والعمل فى عيد الفصح ليُحرر بذلك الفيروس. مُراهنًا على أن المكاسب المالية المُحتملة للقلة سوف تُعوض الأعداد المُتزايدة للضحايا -و المتوقعة بوضوح- التي يقبلها  “ترامب” ويرفض التراجع عنها باسم الصحة العامة. والآن، هؤلاء الذين يحلمون بنظام صحي شامل وعالمي يتوجب عليهم مُكافحة تفشي كلًا من المرض الأخلاقي والوبائي، اللذان يعملان معًا بشكلٍ مُتزامنٍ وقاتل.

ونأمل أن نُبقى هذه الرغبة على قيد الحياة 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: