العالم الذي نريد

بيتر هالوارد 

ترجمة: هيثم شومان

تدقيق لغوي: نرجس فكري

دائمًا ما تكون الأزمات لحظات لاتخاذ القرارات. فهي اللحظات التي توجب علينا تحديد أولوياتنا، وتسألنا كيف سنتمكن من تحقيقها. يجادل بيتر هالوارد بأن الواقع الذي فرضته جائحة كورونا يمكن أن يوفر الظروف الفورية لطريقة جديدة للعيش. الساعة تدق والمخاطر واضحة، فماذا سنفعل؟

تتسنى لنا الفرصة بين الحين والآخر لنقرر بعض الأشياء عن شكل العالم الذي نريده. هذه الفرص نادرة على الدوام، فالطريقة الراسخة التي يدور بها العالم لا يمكن أن تنشأ، بحكم تعريفها، إلا من خلال وسائل تثبط التحديات الحاسمة للنظام الذي تتمسك به. إذا كان للأمور أن تتغير فلا بد لذلك النظام أن يعطله شيء ما، ويتجاوز القوى التي تحافظ عليه وتعيد إنتاجه.

لا داعي لقول إنه من السذاجة وصف اللحظة الحاليّة بأنها ثورية أو تبشر بنوع من الانهيار الشامل الوشيك، ولكن شئنا أم أبينا، فإن بعض القرارات الفورية تُفرض علينا في عجالة استثنائية، والطريقة التي سنتعاطى بها معها ستخلف عواقب بعيدة المدى.

بطبيعة الحال، قد يؤدي التهديد المباشر الذي تشكله العدوى العالمية بمفرده في النهاية إلى تعزيز النظام الحاليّ بدلًا من تقويضه، وقد تؤدي الاستجابة لفيروس كورونا المستجد إلى توسيع قدرات النظام العالمي القائم إلى أقصى حدودها، خاصةً أن هذا النظام لم يتعافَ بعد من أزمة عام 2008. ولا يزال من المستبعد حساب تداعيات الانهيار الاقتصادي الفوري، وقد فعلت الأشهر القليلة الماضية بالفعل الكثير لتعجيل التحول المستمر في ميزان القوى، من الولايات المتحدة إلى الصين، ومن أحد نسخ الرأسمالية الاستبدادية إلى نسخة أخرى.

في الوقت الحالي، يقود الاستجابة بالأساس فاعلون حكوميون راسخون، جنبًا إلى جنب مع شركات خاصة (من شركات الأدوية والتجزئة الكبرى إلى الخدمات اللوجيستية وتكنولوجيا المعلومات) تتمتع بالفعل بوضع جيد يسمح لها بتحويل الأزمات الصادمة إلى فرص مربحة. كلتا المجموعتين من الفاعلين تهدف بوضوح للحفاظ على الترتيب القائم ما استطاعت، بأقل تكلفة وأعظم مكسب. لكن ما دمنا نختبر تهديدًا حقيقيًا من حيث الحياة والموت، فلا يزال أغلب الناس ملتزمين بالإذعان لسلطة هؤلاء الفاعلين والالتفاف حول راياتهم، مهما أصبحت إجراءات الوقاية والمراقبة أكثر تدخلًا واستحكامًا.

من السهل كذلك اكتشاف كيف تعزز هذه التدابير الفوارق التي تقسم المجتمعات بدلًا من تقويضها، داخل الأمم وعبرها، بين الأكثر احتياجًا أو تقييدًا أوتهميشًا أوضعفًا أو تعرضًا لهذه المخاطر أو غيرها، وبين الأقل تعرضًا لها. لقد عُلقت الاحتجاجات الجماهيرية التي هزت أرجاء العالم في العام الماضي إلى حد كبير، من هايتي وتشيلي إلى لبنان والسودان، تاركة جميع المظالم المتجذرة التي ألهمتهم للتفاقم والتعمق.

ورغم تأثيراتها المخيفة والمتسارعة، يمكن للجميع رؤية أن جائحة كورونا لا تمثل حتى الآن أخطر المشكلات الكثيرة التي تواجه عالمنا ككل. يبدو أن العديد من السياسيين الذين انتهزوا فرصة “إعلان الحرب” على الفيروس، قد نسوا ما يعنيه أن نكون في حرب. قد يكون الاضطراب الاقتصادي قصير الأمد غير مسبوق وقد يكون معدل العدوى مربكًا، لكن على المدى الطويل لا يبدو أن هذا الفيروس يشكل نفس النوع من التحدي الوجودي الذي تفرضه القائمة الطويلة والمخيفة من المشاكل البنيوية التي ظلت تواجهنا لفترة طويلة: مستويات مفرطة من عدم المساواة والاستغلال وعدم الاستقرار والعوز، كلها تفاقمت بسبب تغير المناخ الكارثي والعسكرة المتهورة والانبعاث الجديد للشوفينية، وغير ذلك كثير.

ما أصبح على المحك في عصرنا الحاليّ هو تحديدًا مسألة قرارات فورية تشكلها أولويات فورية. في هذه المواجهة المفتوحة مع تهديد قد يؤثر على كل شخص على وجه الأرض تقريبًا، بشكل مباشر أو غير مباشر، كيف سنستجيب؟

ربما لأول مرة في التاريخ، لا يصبح سؤال “ما العمل؟” سؤالًا مجردًا أو مرتبطًا بتوقعات بعيدة للمستقبل. خلافًا للتدابير المتخذة (أو التي كان يجب اتخاذها) لمواجهة نتائج تغير المناخ أو الاستجابة للطوارئ المحلية أو شن حروب فعلية، فإن أعدادًا هائلة من الناس، للمرة الأولى، يجدون أنفسهم في مواجهة عالمية فورية لمشكلة عالمية ملحة. الضغط الذي تولده هذه الأزمة في الزمان والمكان، لم يسبق له مثيل. لقد توصلت الحكومات المحلية، الواحدة تلو الأخرى، بسرعة أو بتمهل، بحماس أو على مضض، إلى نسخ نفس الاستنتاجات التي سبقتها إليها حكومات أخرى، لنفس الأسباب، وباتباع نفس الأنماط.

في كل مكان، وبعد استنفاد قدرتنا على الإنكار أو التأخير أو الانحراف، واستجابةً للضغوط الشعبية المتزايدة، تبدأ حكوماتنا في اتخاذ بعض الخطوات التي يتطلبها الموقف على الأقل. ورغم الإخفاقات المحلية الصارخة، وممارسات التأخير والتردد غير المبررة، وعدم كفاية أشكال التنسيق والإعداد الدولي للأزمة، لم تُتخذ قط العديد من الإجراءات في العديد من الأماكن بهذه الدرجة الكبيرة من التزامن والتقارب، ولم يسبق أن ركزت كل هذه العقول، في العديد من البلدان، على مجموعة واحدة من المخاوف، عبر مجموعات البحث وأنظمة الرعاية الصحية ووسائل الإعلام وأماكن العمل والمجتمع. ونادرًا ما كان هناك اتفاقً واسع بشأن التدابير الأولية المطلوبة لمعالجة مثل هذه المشكلة المعقدة:‌ من ناحية الأقنعة والاختبارات وأجهزة التنفس والمسافة والعزلة، ومن ناحية أخرى وصول الجميع إلى مستويات كافية من الدخل والدعم. ربما لأول مرة، يبدو الحديث عن أمور مثل القدرة العالمية أو الأولويات العالمية  أكثر من مجرد كلام فارغ.

المشكلة واضحة والحلول واضحة، لكن الأوضح من كل ذلك أننا نعيش في عالم يحكمه ويهيمن عليه أناس لا يرغبون في منع مثل هذه المشكلات وتنفيذ مثل هذه الحلول. إذا كان هناك سبيل لمعالجة هذا المرض فعلى كل فرد ارتداء القناع، والخضوع للاختبار، والبقاء على مسافة آمنة من الآخرين (بالإضافة إلى إسكانه وغذائه ودعمه…)، هذا ما يجب فعله. وإذا كان يجب فعله هنا، فيجب كذلك فعله هناك وفي كل مكان، المعايير السريرية متماثلة في كل مكان، وما هو ضروري في مكان واحد، ضروري في كل مكان، بهذه البساطة.

في كل مكان في العالم، وفي المناطق الأكثر ازدحامًا وفقرًا، أصبح مصير عدد لا يحصى من الناس معلقًا على حافة الانهيار. فقد الآلاف  حياتهم وقُطعت أرزاق الملايين في أماكن تنعدم فيها شبكات الحماية أو تندر. لا يملك أحد بعد أي دليل عن مدى التدهور الذي ستؤول إليه الأمور قريبًا في أماكن مثل العشوائيات ومعسكرات الاعتقال والمخيمات والسجون. ليس لدينا فكرة ما الذي يمكن أن يفعله أو يتحول إليه الفيروس عندما يصيب أعدادًا كبيرةً من الأشخاص المتأثرين مناعيًا بأمراض سوء التغذية أو السل أو فيروس نقص المناعة المكتسب، كما قد يظهر قريبًا فيأجزاء من إفريقيا والهند وأماكن أخرى حيث تظل المياه الجارية والمسافة الاجتماعية كماليات نسبية. لكن بدلًا من توقع النتائج المحتملة والتصرف في مواقف لا تحتمل التأخير، فإن الأجزاء الأكثر ثراءً في العالم تقف على أهبة الاستعداد، في هدوء شبه مالتوسي*، سامحة لتعرض من يعيشون في المناطق الأقل حظًا لإعدام جماعي أكثر إهلاكًا للنوع البشري من جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918/1919 مع الفارق أن هناك ما يمكن فعله هذه المرة لتخفيف الآثار إلى حد كبير، إذا أردنا ذلك.

السؤال هو: هل نريد ذلك؟ هل نريد العيش في عالم تصبح فيه حياة البعض أدعى لحمايتها من حياة البعض الآخر؟ إنه سؤال بسيط، لكنه يواجه الجميع. هل نريد فعلًا أن نعيش في عالم تتقرر فيه الأسئلة بشأنمن يموت ومن ينجو حسب المنطقة التي وُلدتَ بها، ثروة عائلتك أو أمتك، أو حسب قدرتك على الدفع؟ في عالم تُستخلص فيه المصادر الأساسية للثروات من الكثرة لأيدي القلة؟ في عالم يزدهر به عدد قليل من الناس على حساب الجميع؟

أولًا وقبل كل شيء، هل نريد الاستمراربالعيش في عالم نحرم فيه أنفسنا القدرة على اتخاذ مثل هذه القرارات: العمل على أكثر ما نريده، والتصرف بناءً عليه؟ هل نريد الاستمراربالعيش في عالم أسلمنا فيه السيطرة على طريقة حياتنا إلى الاستبداديات الخاصة غير الخاضعة للمساءلة (حسب تعبير تشومسكي) الذي يهيمن على اقتصادنا الرأسمالي؟(1) هل نريد الاستمرار في تسليم قدراتنا السياسية إلى الحكومات التي لا تمثل إلا هذه الشركات بشكل رئيسي وتخدم مصالحها الخاصة؟ هل نريد للقرارات الجوهرية عن العلاج والرعاية الصحية والبحث الدوائي وغيرها (ومعها القرارات بشأن تقسيم العمل والطريقة التي نعمل بها،وكيف يتم تقييم العمل والعمال…)، أن تتخذ بواسطة هذه الشركات وحاملي أسهمها، عوضًا عن فاعلين عموميين يمثل الصالح العام أول اهتمامهم؟ هل نريد أن نستمر بالعيش في عالم، باختصار، يضع الأرباح قبل البشر؟

الأسئلة مألوفة، ولا شك أننا لن نستطيع حلها في ظل حالات الطوارئ التي يفرضها الفيروس. لن نستطيع حتمًا تسوية هذه الحلول في ظرف شهور أو أعوام. “نحن” التي ربما ستستجيب لهذه الأسئلة مستمرة في الانبثاق وإعادة التكون بأشكال مركبة وغير متوقعة، لكن الضرورة الملحة التي تواجهنا بها هذه الأسئلة القديمة اليوم هي ضرورة جديدة، وبعد عقود طويلة من الادعاء بعدم وجود بديل، لدينا الفرصة الآن للبدء في الإجابة عنها بشكل أكثر مباشرة، وعلى الفور. الساعة تدق والمخاطر واضحة، فماذا سنفعل؟

إنني لا أدعي امتلاك أجندة مرتبة للمهام التي علينا إنجازها أو مخطط لمستقبل لا نستطيع التنبؤ به، ولكن بالاعتماد على بعض الاقتراحات التي قدمها مايك دافيس في سلسلة من المقابلات الأخيرة(2)، يمكننا أن نبدأ، أو نعيد البدء، في مكان مثل المملكة المتحدة، من خلال التعرف على مسائل الصحة والتعليم والرفاهة كونها دائمًا شؤونًا عامةً وبالتالي لها اهتمام عالمي، ويمكننا البدء في تمويل هذه المشاريع والتفاعل معها وفقًا لذلك، يمكننا أن نبدأ في إلزام الأنظمة الاقتصادية الخاصة لخدمة الغايات الاجتماعية المشتركة، بدلًا من العكس، يمكننا أن نأخذ (أو نستعيد) إلى الملكية العامة الخدمات الأساسية وشبه الاحتكارات، بالطريقة التي أممت بها الأجيال السابقة المرافق وسكك الحديد، يمكننا استعادة مستويات أكثر إنصافًا من الضرائب على الثروة والأرباح.

يمكننا الاعتراف بجميع العمال كعمال رئيسيين، ومكافأتهم بالشكل الملائم، يمكننا منح الأولوية للعمال والبيئة ورفاهة الحيوان على الزراعة الكثيفة والإنتاج الصناعي للحوم. يمكننا البدء بتقدير ما ندين به للناس الذين يعيشون في تلك الأجزاء من العالم التي استغلها أسلافنا في الماضي ونواصل نحن استغلالها في الحاضر، يمكننا أن نعد أنفسنا للتكتيكات المطلوبة لمتابعة مثل هذه الأشياء، في وجه المقاومة التي سوف تستفزها. وفي غضون ذلك، يمكننا إعادة استئناف عملية تحديد أولوياتنا الأطول أمدًا، وما نحن على استعداد لاتخاذه حيالها.

* نسبة إلى نظرية الاقتصادي توماس مالتوس التي تقول إن الزيادة السكانية لا تتناسب مع معدل إنتاج الطعام، لذلك فإن الطبيعة ستفرض أشكالًا مختلفةً من الإبادة البشرية لإعادة التوازن على كوكب الأرض، منها الحروب والأوبئة والمجاعات. – المترجم

(1) مقابلة مع نعوم تشومسكي يوم 28 من مارس 2020 عن الجائحة.

(2) يمكنك الرجوع إلى:

– مايك دافيس، عن الجوائح، الرأسمالية الكبيرة، وكفاحات الغد (30 من مارس 2020)

– الرأسمالية هي الداء (31 من مارس 2020)

– في عام الطاعون (14 من مارس 2020)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: