إعادة التفكير في المدينة: التجربة العمرانية وجائحة كوفيد-19

كتبه: رافي غوش

ترجمة: أحمد طارق

تدقيق لغوي: محمد جلال

في الوقت الذي لم تتكشف فيه الآثار الكاملة لجائحة كوفيد-19، أصبح الحظر المفروض على المراكز العمرانية في العالم كله تقريبًا تجربة مُزلزلة لسكان المدن. انقطع الحديث عن التحسين، واستقرت التجارب العمرانية المُتاحة -من حيث عددها وكفاءتها- على قيمة أقرب ما تكون للصفر. بل إن الأشياء التي اعتدنا ممارستها للهرب من منطق الإشباع العمراني -لتهدئة وتيرة الحياة اليومية- لم تعد مُتاحة أكثر فأكثر؛ يشرع الناس في التساؤل عما يفعلونه هنا الآن بدون ثقافة ومجتمع وأنشطة ترفيهية، مسحوقين في مدن مزدحمة حول العالم. وبينما تقترب بلدان كثيرة من ذروة انتشار الجائحة؛ هناك قوى أكثر تلعب دورًا مؤثرًا على مستوى أعمق من مجرد فقدان الفرد للنشاط والتواصل.

إن العزل في المدينة يُجسد مفارقة معاصرة شديدة الوطأة: على الرغم من انتشار فيروس كورونا السريع حاليًا في مناطق مثل ولاية نيويورك ولندن، فكفاءة الاتصال والموارد الطبية والبنية التحتية في هذه المراكز، تشير إلى أن مستوى الصحة المحلية قد يكون أعلى بالفعل منه في المناطق الأقل إصابة. يعيد الفيروس الآن، بعد انتشاره في طُرق العولمة الواسعة -السفر السياحي ورحلات العمل وسلاسل التوريد الدولية- تشكيل سردية غربية مألوفة: هي سردية المدينة الخاضعة للحصار. وعلى كل حال، ستظهر المدن بالضرورة كرموز باسلة لاجتهاد البشر وقدرتهم على التكيف، سواء من خلال ما يصوِّره أسلوب غُرَف الحرب الوزارية لأداء الحكومات المركزية، أو من خلال المستشفيات المؤقتة في مثلث لندن وبرمنغهام ومانشستر، بغض النظر عن الأذى الذي قد يتسبب فيه تنظيمهم المتشنج أيضًا.

لكن ماذا عن هذه الرغبة في مدينة نشِطة؟ يستخدم هنري لوفيفر، في كتابه “الثورة العمرانية” (1970)، محورًا تقريبيًا لتخيُّل فضاء المدينة (ويتدرج التمدُن عليه من 0 إلى 100%). ينطلق المحور من المدينة السياسية -التي تتميز بالسلطة البيروقراطية- ثم يتقدم خلال المراحل التجارية والصناعية. ويُطلق على المجتمع ما بعد الصناعي مصطلح “عمراني”، وهي المرحلة التي تمر فيها المدينة بعملية “الانفجار الداخلي والخارجي” بينما تقترب من نهاية المحور. إن هذا التوسع الجامح الذي يصفه لوفيفر “للنسيج العمراني” سوف يُثير مشاعر الحنين لأي شخص يعيش في محورٍ مهم، وهو عاجز عن الاستمتاع به:

الاحتشاد الهائل للواقع العمراني (للناس والأنشطة والثروة والمنتجات والحاجات والأدوات والوسائل والفكر) والانفجار الضخم، ارتسام العديد من الأجزاء المنفصلة (الأطراف، الضواحي، منازل العطلات، المدن التابعة) في فضاء [المدينة].

كانت هذه الأفكار، بالنسبة للوفيفر، تعليقًا تاريخيًا فضفاضًا وفي الوقت نفسه نقطة انطلاق لإعادة تصوُره الاشتراكي الخاص عن “التمدن الكامل”. وهي أفكار مناسبة للحظر القائم؛ فالأزمة الحالية تمثِل اختبارًا حاسمًا لبنية المجتمع التحتية ونموذجه الاقتصادي. إن مشاهدة الاستنفار فيهما بالتوازي، من وراء الأبواب المُغلقة، يتيح منظورًا تاريخيًا فريدًا ومؤلمًا في الأغلب. حيث تتكشّف العيوب بالتدريج، مع تغريم الحياة البشرية كُلفةً باهظة. وبغض النظر عن الألم الذي قد تسببه هذه العيوب، لكن بإمكانها تقديم فرصة فريدة لإعادة تشكيل المجتمع بالدروس المستفادة في الوقت المناسب.

لعل أقرب التصورات إلى وضعنا الراهن هو فهم لوفيفر الواسع للنسيج العمراني، الذي يشمل تعريفه لديه: منازل العطلات والطرق السريعة والضواحي، بل وأسواق الريف. هذه الهياكل مستقلة وهامشية في الظروف الطبيعية، لكن ما نراه في الأزمة الحالية هو قدرة الأفراد على تضخيم المدينة بالتوافد على أطرافها أفواجًا، على حساب مواطنين آخرين عادة. وعند ترميز الحركة بالعدوى، يتخذ التمدّن فجأة شكل الهيمنة. وفي مثل هذا الحصار، يصبح بقائك حيث أنت خير من الفرار.

من المُلفِت رؤية الإقرار بهذا كله من قِبَل بعض قطاعات الإعلام، وإن ظلّت التبعات الثقافية الاجتماعية للأمر غير مُستكشفة بدرجة كبيرة. تُشير نيويورك تايمز إلى أنها تركِّز في بياناتها على “المناطق العمرانية الكبرى” بدلًا من المدن والأرياف، حرصًا منها على عمل مقارنات فردية مُجدية لحالات الإصابة بكوفيد-19؛ لأنها بذلك تقدِم تقديرًا دقيقًا لـ “المناطق التي قد ينتشر فيها الفيروس سريعًا بين الأسر وزملاء العمل أو المُتنقلين”. وبالتالي تشمل الإحصائيات الخاصة بنطاق نيويورك ضواحي كلٍ من ويستشستر ولونغ ايلاند وشمال نيوجرسي. وعلى الرغم من عدم وجود طريقة عاجلة لتحديد ما إذا كان الناس يتنقلون لأسباب قهرية أو باختيارهم، فهناك فارق واضح بدرجة كافية، يمكن ملاحظته بين العمال المُشردين الذين ينتقلون من دلهي، على سبيل المثال، وسُكان المراكز الغربية المزدهرة، حيث تتوقف الحركة على الاستقرار المالي.

إن معارضة الهجرة غير الضرورية عبارة عن سردية فردية في الغالب، نتلقاها من صور الإعلانات الغاضبة عن الفيروس في المدن الساحلية البريطانية، ومن القصص الإخبارية المحلية الصادرة من الخدمات الصحية المُنهمكة. لقد تسببت الجائحة كذلك في الرجوع إلى ألفة الدول القومية: ليس فقط بالمعنى الحرفي للرجوع إلى الوطن، لكن [بمعنى استغلال هذا الشعور] أيضًا كوسيلة للتنظيم المدني والإدارة الداخلية والرصد الإحصائي. إن ما يسميه البعض “تفكك العولمة” لا يكشف إلا عما نعرفه بالفعل: لم تكن جميع الأمم أو الحكومات أو الخدمات الصحية متساوية، وهذا ينطبق أيضًا على المجموعات دون الوطنية. كما أن عدم المساواة المتعلق بالفضاء [الجغرافي] سيلعب دورًا ضخمًا في تحديد خريطة الموت النهائية للجائحة.

في مثل هذه الأوضاع الغريبة وغير المناسبة، يَبرز كل ما يشكِل الوضع الطبيعي للعيان بوضوح. يصبح تقييمنا للأنشطة التي كانت مضمونة وغير مُقدَرة عادةً، معتمدًا على مدى سهولة استنساخها مع الاحتفاظ بقيمتها الأساسية، وهو ما يعني في وقتنا الحالي عادةً إعادة التوطُن في الإنترنت. ما يظهر لنا من ذلك هو الهُوة المألوفة بين المهني والاجتماعي. وفي حين يمكن لمعظم موظفي المكاتب الاستمرار في العمل بمساعدة برامج متخصصة واتصالات وهياكل إدارية مرنة، تتضرر سلامة العلاقات الاجتماعية بدرجة أكبر بكثير عندما تتم إزالة  يزول التواصل الإنساني منها.

إننا نشتاق بشدة للصُحبة، ليس لأننا نفتقد أصدقاءنا أكثر مما نفتقد مديرينا فحسب، لكن بشكل كبير، لأن وسائل إعادة إنتاج الحميمية الاجتماعية عبر الاتصال بالإنترنت أقل [كفاءةً] بكثير من تلك التي تضمن إنجاز الأدوار الاقتصادية. كون اتصال الفيديو هو الملجأ لكل من هذين المجالين يبين لنا أنه الوسيط الاجتماعي الأفضل بطريقة ما، لكنه يتواجد جنبًا لجنب مع أدوات أكثر تعقيدًا بكثير تدخل ضمن مشاق العمل، خاصة في صناعات الشركات الكبرى المُتكيّفة بدرجة كبيرة. لا مفر من التداخل [بين المهني والاجتماعي] بدرجة ما، نظرًا لأن العمل يحتاج إلى العنصر الاجتماعي ليؤدي غرضه، لكن لا يزال ملفتًا وباعثًا على العبوس أن أفضل ما توصّلنا إليه لاستثارة العطف ومشاعر الصداقة المتعددة، هو تناول البيرة في أثناء مشاهدة شخص آخر يفعل الشيء نفسه على هواتفنا.

من المغري أن نقرأ عملية رقمنة العمل باعتبارها تبديلًا مباشرًا في علاقات الإنتاج. قد تكون هذه هي الحال تقريبًا، لكن في الواقع، توجد اختلافات واضحة (ومُرحَب بها غالبًا) بين ثقافة العمل العمراني والعزل الحالي، وهو ما يأتي مصداقًا لأفكار لوفيفر المبكرة عن “الحياة اليومية” (ناهيك عن ذكر أن العمل كان -بشكل جزئي على الأقل- يتم عبر الاتصال بالانترنت لعقود). لقد قام لوفيفر، من خلال التنظير لأشكالٍ جديدة من الاغتراب في الحداثة بطرق متعددة -العمل غير المأجور للتنقل اليومي على سبيل المثال- بتوقع الهواجس المشتركة بشأن الحياة العملية في القرن الواحد والعشرين. تلك الهواجس المألوفة لنا، والتي يتم التعبير عنها الآن غالبًا بالوصف البليغ المُستسلم “التقيُد بالمكتب”، “الاجتماعات التي كان الاستغناء عنها برسائل إلكترونية ممكنًا”، وكذلك توقع الإنهاك العام بسبب الاتصالات التي تستمر 24/7. لقد فضح الحظر العديد من هذه الطقوس، وكشف لنا أن الكثير من الحياة المهنية الشخصية المباشرة يُشكلها التباهي والإيماء والالتزام بالشكليات والأعراف، وإن تكن هناك متعة بالفعل في هيكلية المكتب وبيئته. وقد يصبح العمل عبر الاتصال بالإنترنت وبعيدًا بشكل حاسم عن المكتب نتيجةً مُستدامة للتغيرات الجارية.

“ربما يجدر بنا”، كما اقترح وليام ديفيز مؤخرًا، “أن نفهم [الجائحة] كحدث لصناعة الأعمال، يُتيح بداياتٍ اقتصادية وفكرية جديدة،” بدلًا من استعراضها كأزمة للرأسمالية. بينما لا يُمثل ما نحن فيه فَجر “يوتوبيا التمدُن” اللوفيفريّة، إلا أن استيعاب الرقمنة كشكل من أشكال التقدُم العمراني يشير إلى تطورات ضمنية في الحياة اليومية، حتى إن كانت هرمية الإنترنت الحالية لا تصب في صالح المواطنين إلا بالكاد.

ووفق ما تناقشه ورقة جو شو ومارك غراهام الصادرة من معهد أوكسفورد للإنترنت عام 2017، ففي سبيلنا إلى تأسيس فضاء المدينة على الديمقراطية، نحتاج إلى فهم التمدُن المعاصر “كفترة تتم فيها إعادة إنتاج المدينة بازدياد من خلال المعلومات الرقمية”. وتُركز [الورقة البحثية] على قدرة غوغل على التحكم بإعادة إنتاج الفضاء العمراني من خلال مزايا مثل الخرائط والبريد الإلكتروني: “هذه السُلطة يمكنها اختيار الطريقة التي تُختَزل بها المدينة إلى معلومات، والتحكم بالطريقة التي تتم بها ترجمة هذه المعلومات إلى معرفة وإعادة تقديمها إلى واقع الحياة اليومية المادي”. إن الشركات هي التي تُهيمن على هذا المجال بالكامل، وإن كانت إعادة توطُن العمل والعلاقات الاجتماعية في الفضاء الرقمي -مع إعادة التقييم المتأخرة للعمل بالغ الأهمية، والاعتراف بعدم استقرار الصناعة الخدمية، وزيادة مسؤولية الشركات الكبرى- يمكنها تقديم نقطة تحوُّل في بعض الهرميات العمرانية. سيُعاد طرح مطلب توفير الإنترنت عالميًا بكُلفة مُنخفضة كقضية مُلحّة بعد الجائحة، بعدما أصبح الوصول إلى المعلومات الدقيقة فجأةً مسألة حياة أو موت. وإذا استمر التكافل العالمي الذي يتردد ذكرُه كثيرًا الآن إلى ما بعد الجائحة، فقد يتم إحراز تقدُم مهم ضد الاحتكارات التقنية والانهيار المناخي وعدم المساواة في الموارد.

رغم مصاعب العزل كلها، فأنه يصقل تقديرنا لما كنا عليه من قبل. إن الوجود الاجتماعي عَرَضي بطبيعته وغير مُتوقع، وهناك نوع من الفرحة العشوائية يأتي من التعايش مع الآخرين. وفي المدينة يكون هذا التأثير أضخم. كما يقول لوفيفر عن شوارع المدينة، إنها “مكان للّعب والتعلُم… شكل من أشكال المسرح العفوي، أُصبح فيه المُشاهَد والمُشاهِد، وأحيانًا الممثِل”. لا شك أن هذا الكلام يحمل تفاؤلًا رومانتيكيًا، لكن بقدر ما يجلبه العزل من الحنين، نشعر أن الكلمات أصدق وَقعًا. كذلك تضمن مقالٌ حديثٌ في فاينانشيال تايمز وصفًا ظريفًا لمدينة لندن الخاوية:

اختفى المَصرَفيون وظهرت بدلًا منهم عشائر جديدة بأزياء مُختلفة: البنّاؤون ذوو البناطيل السوداء والبيادات المُتربة، حُراس الأمن ذوو السترات الفاقعة الذين يذرعون المنطقة أمام الأروقة الخالية، الشُبان والشابات المُهندمين الذين يركضون في الأزياء الليكرا أو ينطلقون بالدراجات في الشوارع الخاوية.
الحقيقة بالتأكيد هي أن هؤلاء الأشخاص كانوا هنالك على الدوام، لكن لم يكن الجميع يلتفتون إليهم فحسب. إن المُهمة التي تنتظرنا بعد الجائحة تتمثل في توسيع هذا الحق في المدينة للجميع: إعادة ابتكار هياكل الحياة اليومية بحيث تقوم بتمكين جميع المواطنين، وتَسخير التمدُن الرقمي بدلًا من الخضوع لرحمته. كما أن توسيع العقد الاجتماعي القائم بيننا -كي يبيّن أننا مستعدون للعيش بطريقة مختلفة هدفها هو حماية الضعيف- سيُمثل خطوة أولى عظيمة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: