إعادة فتح الاقتصاد سيرسلنا إلى الجحيم

متظاهرون في مينيسوتا يطالبون بإعادة فتح “الاقتصاد” في 17 من أبريل

كتبه: مايك ديفيس

ترجمة: ياسر عزام

مراجعة لغوية: نرجس فكري

نتجه نحو الشهر الخامس من تفشي المرض، يشعر ملايين العمال أنهم اختطفوا وأرسلوا إلى الجحيم.

بينما ترتفع البطالة (وفقًا للتقارير الرسمية) باتجاه 30% أو أكثر، ما يقدر بنحو 20 مليون شخص سيسقطون بلا حول ولا قوة تحت خط الفقر. في استفتاء أجراه مؤخرًا مركز بيو للأبحاث، 60% من اللاتينيين قالوا إنهم خسروا وظائفهم أو أجورهم، الحال نفسه عند نصف العمال تحت سن الـ30. بالإضافة إلى وظائفهم، سيخسر الملايين كل شيء قضوا عمرهم من أجله: بيوتهم ورواتب التقاعد والغطاء الطبي وحسابات الادخار.

عاش معظمنا عرضًا قاسيًا للانهيار الاقتصادي “الركود الكبير” في 2008-2009. خلال 18 شهرًا فقدت نسبة كبيرة من العائلات السوداء والعائلات اللاتينية صافي ثروتها، وتقطعت السبل بخريجي الجامعة أصحاب الخلفيات غير المتميزة اجتماعيًا ليجدوا أنفسهم، وحتى نهاية عمرهم تقريبًا، في اقتصاد خدمات ذوي الأجور المتدنية. لهذا، تدفقت ملايين عديدة من البشر باتجاه راية برنامج ساندرز الجديد. لكن التهديد الذي يلوح أمامنا هو انتشار ضخم للتعاسة والجوع لم نشهد مثله منذ عام 1933.

الناس في حاجة يائسة للعودة إلى العمل وإنقاذ ما يمكنهم إنقاذه من حيواتهم. لكن سماع دوي صفارات إنذارات تظاهرات “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” – عرائس الماريونت التي تتلاعب بها صناديق التحوط والمليارديرات ملاك الكازينوهات – المطالبة بـ”إعادة فتح الاقتصاد” لن تنتج إلا مأساة. لنأخذ هذه النقاط بعين الاعتبار:

●   إرسال ملايين العمال للعمل مرة أخرى دون حماية أو اختبار سيكون حكمًا بالإعدام على الآلاف. 43 مليون عامل يفوق عمرهم الـ55؛ عشرة ملايين منهم فوق الـ65. ملايين آخرون يعانون من السكر ومشاكل مزمنة في التنفس، وما إلى ذلك. مباشرة من المنزل إلى العمل إلى وحدة العناية المركزة إلى المشرحة.

●   يواجه الملايين من “عمالنا الضروريين” مخاطر لا تطاق بسبب نقص وسائل الحماية. سيستغرق الأمر أسابيع، في أفضل الحالات، قبل أن يكون هناك تجهيز كافٍ للعاملين بالقطاع الطبي. لا يمتلك عمال المخازن والأسواق والطعام السريع أي ضمانة للحصول على كمامات، إلا إذا فرضها القانون. إن كانت حربًا، فإن رفض ترامب استخدام القوانين الحاليّة لإخضاع صناعة الكمامات وأجهزة التنفس الصناعي للسلطة الفيدرالية هي جريمة حرب.

●   الاقتراح الداعي لاختبار دم المواطنين ثم إصدار شهادات عودة لأماكن العمل لو أنهم يمتلكون الأجسام المضادة الصحيحة هو خيال صافٍ في هذه اللحظة. لقد سمحت واشنطن لأكثر من مئة شركة مختلفة ببيع معدات أمصال دون إجراء اختبارات على بشر أو موافقة إدارة الغذاء والدواء. النتائج التي يعطونها في كل جزء من الخريطة مجرد فوضى. قد يستغرق الأمر أسابيع أو أكثر قبل امتلاك العاملين بالصحة العامة أدوات فحص يمكن الاعتماد عليها. حتى وقتها، قد يستغرق الأمر شهورًا قبل فحص القوة العاملة، ومن المشكوك فيه أن عددًا كافيًا من الناس سيمتلك الأجسام المضادة بما يكفي لتوفير موظفين للشركات المغلقة.

●   الافتراض الأكثر بطولية أن مصلًا قد يصبح متاحًا بحلول خريف 2021، رغم أن لا أحد يعلم كم ستستمر المناعة التي سيمنحها هذا المصل. وفي هذه الأثناء، تعمل مئات من فرق البحث وشركات أصغر مختصة بالتكنولوجيا الحيوية على أدوية ستقلل خطر الفشل التنفسي وأضرار القلب والكلى. لكن هذه التجارب العلمية المترامية الأطراف تفتقد التنسيق والتمويل من واشنطن.

إغلاق لأجل غير مسمى

إلى حد ما، نحن نعيش في إغلاق لأجل غير مسمى، نواجه إدارة تضع أولوية أكبر لتدمير خدمات البريد أكثر مما تمنحه لإنتاج الاختبارات وأدوات الأمان ومضادات الفيروسات التي ستسمح للولايات المتحدة بالعودة للعمل.

شركاء ترامب وحوش، مثل أمازون التي جعلت من جيف بيزوس أغنى بـ25 مليار دولار خلال أسبوعين، ومجموعة يونايتيد هيلث، شركة التأمين الصحى الأكبر في العالم، التي ازداد ربحها 4.1 مليار دولار في الشهور الأولى من الوباء. لقد شهدت شركات التأمين أرباحًا استثنائية، بما أن أغلب مشتركيها غير قادرين الآن على حجز عمليات أو الحصول على علاجات ضرورية.

هناك غضب بركاني يتصاعد في هذه البلاد ونحن بحاجة لتطويعه لبناء النقابات والدفاع عنها، ولضمان العناية الطبية للجميع، وإسقاط الأوغاد من عروشهم المطلية بالذهب.

كيف وصلنا إلى هنا

في ليلة رأس السنة الماضية، وبينما نرفع كؤوسنا ونحتضن زملاءنا ونغني بعض مقطوعات الأغاني التي كتبها الثوار الإسكتلنديين منذ عدة قرون، كان الأطباء الصينيون يخبرون زملاءهم في جميع أنحاء العالم بوجود أعداد متزايدة من إصابات الالتهاب الرئوي الحاد، متكتلة حول مدينة ووهان، نتيجة لإصابات بفيروس لم يكن معروفًا.

عرف تسلسل حمضه النووي في خلال أسبوع، عُرف أنه “فيروس كورونا”. حتى 2003، كان البحث بخصوص هذه العائلة من الفيروسات يستجيب للأمراض الخطيرة التي تسببها في مجموعة مختلفة من الحيوانات، بما في ذلك المواشي والدواجن. اثنان فقط من هذه العائلة عرفا بإصابتهما للبشر، وبما أنهما يسببان أدوار برد خفيفة، اعتبرهما الباحثون وقتها غير مهمين.

ثم في 2003 بدأت جائحة فيروسية جديدة مع مسافر في فندق مطار صيني نقل عدواه لكل من تواصلوا معه. في خلال 24 ساعة كان الفيروس استقل طائرة لـ5 دول أخرى. متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس) الذي قتل واحدة من كل 10 ضحايا.

عُرفت جرثومة سارس كفيروس كورونا آخر، انتقل من الخفافيش إلى آكلات اللحوم الرشيقة المسماة بقط الزباد، صاحب القيمة الكبيرة في مطبخ جنوب الصين. وصل سارس لأكثر من 30 دولة وسبب ذعرًا دوليًا شاملًا. ولكنه كان يمتلك كعب أخيل: كان معديًا فقط في المرحلة التي يُظهر فيها المصابون أعراضًا مثل الكحة الجافة والحمى وأوجاع العضلات. ولأنه سهل التعرف عليه، تم احتواء فيروس سارس في النهاية.

فيروس مشابه – نوع من لعنة المومياء – انتشر من خفافيش المقابر إلى الجمال، ظهر في 2012 وقتل ألف شخص، بالأساس في شبه الجزيرة العربية. لكنه انتشر في الغالب بالتواصل المباشر مع الجمال ولذا لم يُعتبر مرشحًا لبدء جائحة.

الفيروس الشبح

أمل الباحثون أن القاتل الحاليّ، وهو فيروس يعرف بـ”سارس-كوف-2″ ومعظم جيناته مشتركة مع سارس الأصلي، سيكون من السهل تحديده أيضًا من خلال الربط بين أعراض المرضى. لقد كانوا مخطئين بشكل كارثي.

بعد 4 أشهر من الدوران في العالم البشري، نحن الآن نعلم أن الفيروس، على عكس أسلافه، يطير بنفس أجنحة الإنفلونزا: ينتشر بسهولة من خلال أشخاص لا تظهر عليهم أي أعراض مرض واضحة. لقد تبين أن الجرثومة الحاليّة هي “فيروس شبحي” بمقياس يتجاوز أمراض الإنفلونزا وربما بشكل غير مسبوق في تاريخ علم الأحياء المجهرية. لقد اختبرت البحرية معظم طاقم حاملة الطائرات المصابة “ثيودور روزفلت” واكتشفت أن 60% من المصابين لم تظهر عليهم أي أعراض واضحة.

وجود مجموعة ضخمة من الحالات غير المرصودة قد يعتبر أخبارًا جيدة في حال كانت أشكال العدوى أنتجت مناعة مستدامة، لكن لا يبدو أن هذا هو الوضع. تخرج العشرات من تحاليل الدم لرصد الأجسام المضادة التي تستخدم الآن، وكلها لم توافق عليها منظمة الصحة والدواء، نتائج متناقضة ومحيرة، ما يجعل من فكرة بطاقة تعريف بوجود أجسام مضادة تسمح بالعودة للعمل فكرة مستحيلة في اللحظة الحاليّة.

لكن معظم الأبحاث الأخيرة (التي يمكن الاطلاع عليها في المؤسسات القومية لموقع الجائحة الصحية Litcovid) تشير إلى أن منح المناعة محدود للغاية وأن فيروس كورونا قد يصبح راسخًا مثل الإنفلونزا. وباستثناء الطفرات الدراماتيكية، من المرجح أن تكون العدوى الثانية والثالثة أقل خطورة على الناجين، ولكن لا يوجد حتى الآن أي دليل على أنها ستكون أقل خطورة على الأشخاص غير المصابين في المجموعات المعرضة للخطر. لذا فإن كوفيد-19 سيكون الوحش القابع في السندرة لمدة طويلة.

كانوا يعلمون أن هذا سيحدث

لكن المرض ليس انفجار شيء مجهول تمامًا، وليس نيزكًا بيولوجيًا. على الرغم من أن قدرته على الانتقال كانت غير متوقعة في فيروس كورونا، فالجائحة تتفق بشكل وثيق مع سيناريو تفشي إنفلونزا الطيور الذي وصف في وقت سابق.

لمدة جيل تقريبًا كانت منظمة الصحة العالمية والحكومات الكبرى تخطط لكيفية رصد جائحة كهذه والتعامل معها. لطالما كان هناك فهم دولي واضح للحاجة إلى كشف مبكر ومخزون كبير من معدات الطوارئ الطبية وزيادة القدرة الاستيعابية في أسرّة العناية المركزة. والأهم من ذلك اتفاق أعضاء منظمة الصحة العالمية على تنسيق استجابتهم على أساس المبادئ التوجيهية التي صوتوا جميعًا بقبولها. الاحتواء المبكر كان ضروريًا: الاختبار الشامل وتتبع المخالطين وعزل الحالات المشتبه بها. الحجر الصحي على نطاق واسع وإغلاق المدن وإغلاق قطاعات كبيرة من الاقتصاد، فهذه الإجراءات يجب أن تكون مجرد إجراءات أخيرة، إجراءات أصبحت غير ضرورية بسبب التخطيط الشامل.

وعلى هذا الأساس، نشرت حكومة الولايات المتحدة، بعد ظهور إنفلونزا الطيور في 2005، “إستراتيجية قومية [طموح] لتفشي الإنفلونزا” بناءً على اكتشاف أن كل مستويات نظام الصحة العامة الأمريكي كانت غير مستعدة بالمرة لتفشٍ على مستوى واسع. بعد هلع إنفلونزا الخنازير في 2009، حُدّثت الإستراتيجية، وفي 2017، وقبل أسبوع من تنصيب ترامب، تعاون موظفو أوباما المنتهية ولايتهم وإداريو ترامب المستجدين في تنفيذ محاكاة واسعة النطاق تختبر ردة فعل الوكالات والمستشفيات الفيدرالية على ظهور جائحة في 3 سيناريوهات مختلفة: إنفلونزا الخنازير وإيبولا وفيروس زيكا.

فشل النظام، بكل تأكيد، في تلك المحاكاة في منع التفشيات، أو فيما يتعلق بهذا الأمر، تسوية المنحنى في الوقت المناسب. جزء من المشكلة كان الرصد والتنسيق. مشكلة أخرى كانت المخزونات غير الكافية وسلاسل توريد ذات مآزق واضحة، مثل الاعتماد على عدد قليل من المصانع خارج البلاد لإنتاج وسائل حماية فعالة. وخلف كل هذه يقبع الفشل في الاستفادة بقوة من الإنجازات الثورية في التصميم البيولوجي التي حدثت خلال العقد الماضي من أجل تخزين ترسانة من مضادات الفيروسات واللقاحات.

بكلمات أخرى، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة والحكومة كانت تعلم ذلك.

أحجار دومينو الكارثة

حدثت 3 أشياء بحلول نهاية يناير 2020. أولًا، وزعت منظمة الصحة العالمية بشكل مفاجئ مئات الآلاف من مجموعة أدوات اختبار صممها علماء ألمان، إلا أنها دُفعت إلى الهوامش في الوقت الذي أغلقت فيه كل دولة أبوابها وتجاهلت الالتزامات السابقة بالمساعدة المتبادلة.

ثانيًا، 3 دول في شرق آسيا تمتلك مخزونات طبية معدة جيدًا وأنظمة رعاية صحية أحادية الدفع – كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان – نجحت في احتواء تفشيات بالحد الأدنى من الوفيات وبفترات متوسطة من العزل الاجتماعي. بعد الكوارث المبكرة التي سمحت للفيروس بالهروب على متن رحلات الطيران وفرضت غلق ووهان، أجرت الصين تعبئة على مستوى غير مسبوق، وحددت سريعًا كل البؤر الساخنة خارج ووهان.

ثالثًا، قررت مراكزنا لمكافحة الأمراض واتقائها CDC خلق مجموعة أدوات التشخيص الخاصة بها بدلًا من استخدام تلك التي توزعها منظمة الصحة العالمية. رغم أن خطوط إنتاج مراكز مكافحة الأمراض CDC ملوثة بفيروسات، كما أن أدوات الاختبار كانت بلا قيمة. لقد بُدد شهر فبراير بالكامل، عندما كانت هناك فرصة ممكنة لمنع الزيادة المطردة للعدوى من خلال إجراء الاختبارات وتتبع المخالطين.

كانت هذه هي الكارثة الأولى. الثانية كانت في مارس، عندما بدأت المستشفيات تزدحم بحالات حادة وحرجة. وبدأت المؤسسات في استنفاد مخزونها من أقنعة التنفس (أقنعة N-95) وأجهزة التنفس الصناعي، عادوا إلى ولاياتهم ومن ثم إلى المخزون الإستراتيجي القومي للحكومات الفيدرالية، الذي صمم خصيصًا ليستخدم في حالات تفشي وباء مثل كوفيد-19.

لكن الخزانة كانت فارغة تقريبًا، فقد استنفدت تقريبًا في أثناء الذعر الوطني بسبب إنفلونزا الخنازير في 2009 وخلال العديد من حالات الطوارئ اللاحقة. لقد حُذرت إدارة ترامب بشكل متكرر بشأن واجبها القانوني بإعادة تخزينها، لكنها كانت لديها أولويات أخرى مثل خفض ميزانية مراكز مكافحة الأمراض وقتل قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة.

ونتيجة لذلك، يخوض ملايين الأمريكيين معركة في المستشفيات ودور الرعاية الصحية ووسائل النقل العامة ومخازن أمازون دون الحماية الضرورية التي تكلف بضعة بنسات لتصنيعها. لا شيء يرمز لإهمال إدارة ترامب الكامل لواجبها مثل حقيقة أنه في نفس اليوم الذي كان يتفاخر فيه الرئيس بالتفوق الأمريكي العلمي والتكنولوجي الذي لا مثيل له، كرست نيويورك تايمز صفحة لـ “كيفية خياطة قناع بالمنزل”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: