كيف تسبب فيروس الكورونا في انحدار النظام المالي نحو الهاوية

كتبه: آدم توز

ترجمة: محمد جلال

وضعت الأزمة الاقتصاد في حالة تجمد تقريبا، وجعلت الملايين عاطلين عن العمل. ولكن بفضل التدخل الغير مسبوق؛ تم تجنب انهيارا واسع النطاق. حتى الآن.

——————————————————————————————–

في الأسبوع الثالث من مارس، بينما غالبيتنا منشغل بتصاعد معدل الوفيات جراء فيروس الكورونا وكذلك المشاهد المروعة بأجنحة المستشفيات، اقتربت الأسواق المالية العالمية من الانهيار كما حدث في أزمة سبتمبر 2008. الخسائر المشتركة لغالبية الشركات جراء التوقف، ارتفاع قيمة الدولار مقابل باقي العملات في العالم، أدى للضغط على المدينين في كل مكان من اندونيسيا حتى المكسيك. ديون الأسواق لدى الحكومة تُقارب التريليون دولار، المؤسسات الأساسية في النظام المالي العالمي تسقط باندفاع في دورات هائلة ومرعبة.

معدلات الفائدة تتراقص على شاشات المحطات الطرفية. اتجه التجار للعمل من المنزل -ما يُعرف في العامية الجديدة بـ “Rona rigs“- مُحبطين من الأسلوب الجديد كونه يُشبه بطء الانترنت المنزلي المتأثر بدوره بحركة السوق. في لحظة سيئة من يوم 23 مارس، تم محو 26 تريليون دولار من قيمة أسواق الأسهم المالية؛ ما أدى لخسائر فادحة للقلة الغنية المالكة للأسهم، وكذلك للمنظمات الجماعية الخاصة بمدخرات التأمينات والمعاشات التعاقدية.

ماذا ستكون ردة فعل الأسواق مع التحول الغير متوقع في الأحداث. بعد فترة من الحيرة المُدمرة، فرضت الحكومات حول العالم الإغلاق الشامل لاحتواء الوباء القاتل. آلة الاقتصاد العالمي التي بُنيت من أجل النمو، تُدفع الآن نحو توقف صارخ. في 2020، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، يتعرض الإنتاج حول العالم للانكماش. الإغلاق لم يُصيب أوروبا والولايات المتحدة فحسب، بل شمل كذلك الأسواق الناشئة بأسيا. يواجه أيضا مُصدرو السلع في أمريكا اللاتينية وجنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا خطر انهيار الأسواق. 

من الواضح الآن أننا -إذا اقتضت الظروف ذلك- سنضطر لتعطيل الاقتصاد. لكن العواقب كارثية. مئات الملايين حول العالم تم تسريحهم من العمل. قطاع الخدمات -وهو إلى حد بعيد أهم لاعب في الاقتصاد الحديث- أصيب بصدمة بالغة، من البائعون المتجولون بدلهي حتى المدربين الشخصيين في لوس أنجلوس. لم يحدث من قبل أن عانى الاقتصاد العالمي من صدمة بهذا الحجم دفعةً واحدة. في الولايات المتحدة وحدها فقد 17 مليون من المواطنين على الأقل وظائفهم في الثلاث أسابيع الماضية. لا مفر الآن من حالة ركود عالمي. 

السؤال المفصلي الآن هو إلى أي مدى سيصمد الاقتصاد العالمي أمام إجراءات الإغلاق، هذا يعتمد على مدى الوفرة الائتمانية. الأعمال التجارية تعتمد بالأساس على الائتمان. بقايا قطاعات الاقتصاد التي لم تتوقف حتى الآن -المستودعات، مُقدمو خدمات الموبايل وشركات الانترنت- تحتاج كذلك للائتمان. فواتير الأجور لهؤلاء الذين لم يتوقفوا عن العمل تُمول من خلال الائتمان. الأمر الأكبر يتمثل في حاجة من تعطلت أعمالهم. إذا لم تتوفر لهؤلاء قروض لن يتمكنوا من الوفاء بديونهم، حيث يعم الأسى. تعتمد ملايين من العائلات والشركات في التعايش مع الإغلاق على المنح والقروض الحكومية. ومع انهيار عائدات الضرائب أصبحت الدولة أيضا في حاجة للمال. إننا نشهد في جميع أنحاء العالم أكبر زيادة في العجز والديون الحكومية منذ الحرب العالمية الثانية. 

من الذي نقترض منه؟ البنوك والأسواق المالية يمدان الاقتصاد العالمي بالوقود المالي. عادة ما يستمر الائتمان من خلال الوعد المتفائل بالنمو. عندما يتلاشى ذلك نواجه دورة ذاتية عنيفة من انهيار الثقة، انكماش ائتماني، البطالة والإفلاس، الأمر الذي ينشر سحابة سامة من التشاؤم. مثل الوباء، إذا لم يتم السيطرة عليه يكتسح كل شيء، يُدمر الهشاشة المالية أولا ثم الكثير إلى جانبها. نحن لا نتحدث عن عدوى مالية من فراغ.

ما بدأ منذ إقرار الإغلاق في ووهان يناير الماضي كان حادا ومُتسارعا بصورة أكبر من أي ركود عاصرناه من قبل. في غضون أسابيع واجهنا مشهد أكثر قتامة من أي لحظة كذلك منذ الثلاثينات. ومع ذلك كان من الممكن أن يكون المشهد أكثر سوءًا مما هو عليه الآن. تخيل الوضع الذي نعيشه الآن؛ علاوة على المعاناة المُتسبب بها الإغلاق والمشاهد المرعبة من المستشفيات، نسمع من يدعو للتقشف لأن الحكومة عاجزة عن تمويل أوجه الإنفاق الإضافية. تخيل أن أسعار الفائدة أصبحت في ارتفاع، وشروط بطاقات الائتمان وقروض السيارات والرهون العقارية أصبحت فجأة أكثر صرامة. ربما كل هذا لا يزال يحدث. هذا يحدث بالفعل في دول الاقتصادات الأضعف حول العالم. لكن حتى الآن على الأقل لم يحدث في أوروبا والولايات المتحدة، حتى بعد الاضطرابات التي أحدثها الوباء في مارس عندما ضرب الوباء بكل قوته.

إن ما نجحت به أوروبا والولايات المتحدة هو تعديل مُنحنى الذعر المالي. كما أنهما حافظا على التدفق الائتماني الضروري. بدون ذلك لم يكن ممكنًا لقطاعات كبيرة من الاقتصاد الحياة، كانت ستنتهي بالموت. حكوماتنا ستعاني من أزمة مالية لتتعافى. الحفاظ على التدفق الائتماني هو الشرط المسبق لاستمرار الإغلاق. كذلك هو الشرط المسبق لاستجابة جماعية في مجال الصحة العامة في مواجهة الوباء.

خلال الأزمات الكبرى نتذكر حقيقة أنه في القلب من سيطرة فكرة الربح على الاقتصاد المالي الخاص، تتواجد دوما مؤسسة عامة هي البنك المركزي. عندما تعمل الأسواق المالية بشكل طبيعي، يظل البنك المركزي في الخلفية. ولكن عندما تُصبح الأسواق مُهددة بالتفكك، يكون للبنك المركزي خيار التقدم إلى الأمام ولعب دور مُقرض الملاذ الأخير. يمكنه أيضًا تقديم قروضا، أو شراء أصول من البنوك أو الصناديق أو غيرها من الشركات التي تستميت من أجل النقد. لأن الأسواق المالية هي الداعم المطلق للعملة؛ ميزانيتها غير محدودة. هذا يعني أنها تقرر من يغرق ومن يستمر. تعلمنا هذا في عام 2008. ولكن عام 2020 جعل هذه الحقيقة واضحة بشكل جلي كما لم يحدث من قبل.

شهدت الأسابيع الستة الماضية نوبة من التدخل لم يسبق لها مثيل، وكانت النتائج بالغة الأهمية. امتدت شبكة أمان عامة عملاقة عبر النظام المالي. قد لا نعرف أبدا ما الذي حدث خلف الأبواب المغلقة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا خلال تلك اللحظات الحرجة في مارس. حتى الآن، لم تصل إلى الخارج سوى أصوات اعتراضات مكتومة. لكن مع انتشار الفيروس، أدركنا أن الرجال والنساء في تلك البنوك المركزية الثلاثة مُلقى على عاتقهم مسئولية نجاة الاقتصاد، مصير الناس والدول بين أيديهم. نتحدث عن الكيفية التي تم بها تجنب الانهيار المالي العالمي من خلال اتخاذ البنوك المركزية لقرارات كانت ترفضها قبل شهر واحد فقط باعتبارها مستحيلة تماما.

——————————————————————————————–

تقوم الأسواق المالية بمسح العالم من حيث التعرض للمخاطر. أدنى اضطراب في شبكات التمويل والإنتاج والتجارة واسعة النطاق يُتيح الفرصة للربح أو التهديد بالخسارة. لذلك، الأنباء يوم 23 يناير عن تفشي فيروس غير معروف كانت خطيرة كفاية كي تفرض السلطات الصينية حجرًا صحيًا ضخمًا، ومزعجة بشدة للتجار بشأن أعمالهم. يكافح خبراء الاقتصاد في البنك من أجل السيطرة على أبعاد المشكلة. هل سيكون هذا اضطرابًا بسيطًا مثل السارس في عام 2003؟ أم أننا نواجه السيناريو الكابوسي للفيلم السينمائي عدوى؟

في أواخر يناير، بدأ رجال الأعمال في نقل الكثير من الأموال إلى سلع أو أسهم في الشركات، وكذلك للسندات الحكومية ذوات السلامة النسبية. وما كان يريحهم هو فكرة أن الفيروس مشكلة سيتم السيطرة عليها في الصين. انفجر ذلك الوهم في اليوم الذي أدرك فيه المستثمرون أن كوفيد -19 قد تحول إلى وباء عالمي- يوم الاثنين 24 فبراير. كانت الحكومة الايطالية قد أعلنت في نهاية الأسبوع عن فرض حجرٍ صحيّ في أجزاء من شمال البلاد. إيطاليا كانت أول مكان في الغرب يقوم بذلك.

منذ الأزمة المالية في عام 2008، عانى الاقتصاد الإيطالي من حالة ركود. وكانت بنوكها وماليتها العامة في حالة محفوفة بالمخاطر. مستويات الديون في إيطاليا كانت مرتفعة بما يكفي لتبقي أسواق السندات في حالة من الذعر بشكل دائم. الآن البلاد ستصبح خط المواجهة الأول في مكافحة الفيروس. سيختبر فيروس الكورونا تضامن منطقة اليورو في أضعف حلقاته.

في هذه المرحلة، لم يكن الجميع تعامل مع التهديد على محمل الجد. لا يزال عبء الحالات في الولايات المتحدة يبدو ضئيلا. دونالد ترامب يرفض اعتبار الفيروس “مخيفا”. ولكن رجال الأعمال قلقين للغاية. على مدار الأسبوع الذي بدأ في 24 فبراير، فقد مؤشر سوق الأسهم الرئيسي في أميركا، S*P 500، 10٪ من قيمته. بدا رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول قلقا بما يكفي للإشارة إلى عزمه على خفض أسعار الفائدة، من أجل تحفيز الاستهلاك والاستثمار. كان رد فعل تقليدي، ولكن كوفيد-19 لم يعد يبدو وكأنه تهديدًا تقليديًا.

——————————————————————————————–

في أوائل مارس، كان أي شعور بالرضا عن الذات قد ولى منذ فترة طويلة. ارتفع عدد الضحايا شمال ايطاليا إلى المئات ولم تكن سوى مسألة وقت قبل أن تضطر الحكومة فى روما إلى فرض الحجر الصحي على جميع أنحاء البلاد.

حالة من الذعر انتابت رجال الأعمال حول العالم. في أوقات الشك، يتوقون لأصول الملاذ الآمن. ما يجعل السند الحكومي استثمارًا آمنًا ليس الوضع المالي للمقترض فحسب، لكن أيضا عمق السوق الذي يمكن للمقرضين العمل فيه إذا أرادوا استعادة أموالهم في وقت أقرب. لا توجد سوق أعمق من تلك التي تُعرف بها سندات الخزانة الأميركية. وكلما زاد الطلب على السلامة، انخفض سعر الفائدة الذي يتعين على الحكومة الأميركية دفعه للاقتراض عمومًا. سجلت هذه المعدلات مستويات انخفاض قياسية في الأسبوع الأول من مارس.

بالنسبة للاقتصاد في باقي دول العالم، كان الركض نحو الأمان إشارة مُقلقة. أحد القطاعات الذي عانى المتاعب هو النفط. عندما يتباطأ الاقتصاد العالمي، يتباطأ بالتبعية الطلب على الطاقة. صناعة النفط في القرن الحادي والعشرين تتألف من منتجين كبار تسيطر عليهم دول -وفي مقدمتها مجموعة أوبك التي تُهيمن عليها المملكة العربية السعودية وروسيا، ومن ناحية أخرى صناعة استخراج الغاز (fracking) الصاعدة في الولايات المتحدة. وعندما تراجع الطلب على النفط، أراد السعوديون خفض الإنتاج الإجمالي لدعم السعر. لذلك كانوا بحاجة إلى اتفاق المنتجين الكبار الأخرين، لكن روسيا رفضت أن تذهب في هذا الاتجاه. كما رأت موسكو، خفض الإنتاج بهدف دعم الأسعار كان دعوة لمنتجي الوقود الأحفوري الأميركيين لسد هذه الفجوة. إذا كانت سياسة تغير المناخ تعني أن المستقبل سوف يؤدي حقا إلى الانتقال للوقود الأحفوري، فإن الفوز في نهاية اللعبة ينطوي على الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من السوق لأطول فترة ممكنة لضخ النفط. لم تقرر روسيا خفض الإنتاج، بل أرادت شن حرب أسعار. ولم ترغب السعودية في الهزيمة  فقبلت التحدي، في عطلة نهاية الأسبوع، 7 – 8 مارس، أعلنت السعودية أنها ستقلل من الإنتاج إلى أقصى حد وخفض أسعارها. 

مع فتح الأسواق، يوم الإثنين 9 مارس، انخفضت أسعار النفط. وانخفض خام برنت القياسي بنسبة 24% بنهاية التعاملات. وفي نهاية الشهر، انخفضت قيمته إلى النصف. ومن وجهة نظر الأسواق المالية، ضراوة المنافسة في صناعة النفط كانت تُنذر بما سوف يحدث. انخفاض الطلب من شأنه إجبار الصناعة إما على خفض الأسعار أو حفض الإنتاج. وفي كلتا الحالتين، كانت تلك أنباء سيئة لفكرة الأرباح.

عندما أعيد فتح التداول في وول ستريت في ذلك الصباح، كان الوضع سيئًا إلى الحد الذي أدى إلى تفعيل نظام وقف التداول سريعا -التوقف التلقائي أمام التداول الذي يحدث عندما تنخفض الأسعار بمعدل معين. كان من المفترض أن يؤدي هذا إلى إبطاء موجة البيع الجامحة. لكنها كانت رسالة ذعر. بمجرد استئناف التداول، أصبح كل شيء يباع.

الاضطراب الذي بدأ في 9 مارس له منطق منحرف. عندما يواجه مديرو الصناديق عمليات سحب من الأشخاص الذين يديرون أموالهم، فإنهم يحتاجون إلى السيولة، وعليهم اختيار الأصول التي يبيعونها أولًا. قد يفضلون بيع الاستثمارات الأكثر خطورة، التي لا يمكن التخلص منها إلا مقابل خسارة كبيرة. بدلًا من ذلك، يحاولون بيع أصولهم الأكثر سيولة وأمانًا: السندات الحكومية. هذا يعني أن أسعار تلك السندات ستنخفض، مما يجرها إلى دوامة. هذا له تأثير مباشر على انهيار العلاقة الأساسية التي يعتمد عليها العديد من المستثمرين: عادة، عندما تنخفض الأسهم، ترتفع السندات، والعكس بالعكس. لذا لحماية نفسك من المخاطر، يمكنك شراء حافظة تتكون من كليهما. إذا كان كل شيء يعمل كما هو مفترض له، سيحدث توازنًا بين كل الجوانب. ولكن مع حالة الذعر التي بدأت في 9 مارس، لم يعد هذا يحدث: فبدلًا من تحقق التوازن، انهارت أسعار الأسهم والسندات معًا. الشيء الوحيد الذي أراد الجميع الاحتفاظ به هو المال، الدولات تحديدًا أكثر من أي شيء. وبدوره، أدى تصاعد الدولار الأمريكي إلى توزيع الضغط في جميع أنحاء العالم على كل من يدين بالمال بهذه العملة.

حاول البنك الاحتياطي الفيدرالي يائسًا وقف العملية. وأشار إلى استعداده لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي من الدولار القوي، ما دفعه لخفض سعر الفائدة الذي كان متوقعًا من منتصف الشهر. لكن مع الأفق المظلم، لم يضيف انخفاض أسعار الفائدة شيئًا. من يقترض أو يستثمر في مثل هذه الظروف؟ الثقة تلاشت. فقط مدى السوء الذي سيصبح جليًا خلال الأسبوعين التاليين.

——————————————————————————————–

كان تحولًا قدريًا قاسيًا أن تكون إيطاليا أو دولة أوروبية يضربها الفيروس. إيطاليا التي تملك نظامًا طبيًا متطورًا. تعد لومبارديا، أكثر المناطق تضررًا بالفيروس، من أغنى الأماكن فى العالم. يكمن الضعف بالأساس في المالية العامة للدولة. لمكافحة الأزمة، كانت إيطاليا بحاجة إلى إنفاق المال على الصحة العامة ودعم الاقتصاد أثناء الإغلاق. لكن هل يُفسح تشدد الاتحاد الأوروبي للاقتصاد الإيطالي المجال؟

تكمن المشكلة في أن الإنفاق على مواجهة أزمة فيروس الكورونا من شأنه رفع الديون العامة لإيطاليا. وكلما كنت مدينًا أكثر، كلما ارتفع السعر الذي تدفعه للاقتراض. بالنسبة لحكومة أوروبية، يتم قياس القسط  بـ”الفارق”- بين سعر الفائدة الخاص بك والخاص بألمانيا، المُقترض الأعلى مرتبة في أوروبا. ومع انخفاض ديون إيطاليا قبل الأزمة إلى أقل بقليل من 135% من الناتج المحلي الإجمالي، كانت إيطاليا قريبة بشكل خطير من النقطة التي كان من شأنها أن تدفع ارتفاع الفوارق إلى ارتفاع عجزها وبالتالي، في حلقة مفرغة، جعل ديونها أقل استدامة. 

مُهمة البنوك المركزية هي لعب دور المشتري كملاذ أخير، وذلك لضمان هدوء المستثمرين. ولكن لأن إيطاليا من أعضاء منطقة اليورو، فإنها لم تعد تمتلك بنكًا مركزيًا وطنيًا مستقلًا قادرًا على شراء ديونها. سياسة البنك المركزي الإيطالي النقدية تتبع البنك المركزي الأوروبي الذي يحظر شراء ديون الدولة العضو الصادرة حديثًا. هكذا ترك الإيطاليون مكشوفين. ومع اشتداد أزمة فيروس الكورونا في أواخر فبراير وقلق المستثمرين من احتمال زيادة إنفاق الدولة، ازداد الفارق بينها وبين أسعار الفائدة الألمانية. وإذا ازداد الفارق بأكثر مما ينبغي، فإن إيطاليا لن تواجه كارثة صحية عامة فحسب، بل أزمة مالية أيضًا. ما الذي يمكن لأوروبا فعله للمساعدة؟

لدى إيطاليا بالفعل أسبابها للشعور بالتخلي عنها من قبل شركائها الأوروبيين: لم يُقدموا الكثير لمساعدتها في معالجة أزمة البطالة المزمنة، أو لتوطين اللاجئين القادمين من شمال أفريقيا. تُمثل أزمة فيروس الكورونا اختبارًا جديدًا. لم تكن الإشارات جيدة: كانت الدول الأعضاء الأخرى تتذمر في رد فعلها على نداءات إيطاليا للمساعدة. ولكن المهم حقا، بالنسبة لصمود إيطاليا ماليًا، هو الموقف الذي اتخذه البنك المركزي الأوروبي.

في عهد رئيسه السابق ماريو دراجي، برز البنك المركزي الأوروبي أثناء الأزمة المالية الأخيرة باعتباره محور الاقتصاد الأوروبي. أصبح وعد دراجي في ذروة الأزمة يوليو 2012 يفعل كل ما يلزم للتماسك في منطقة اليورو شعارًا للسياسة الاقتصادية الحديثة. في مواجهة حالة الذعر المالي، استعادة الثقة أمر أساسي ــ ولأن البنك المركزي مسؤول عن إصدار العملة، فهو المقاتل الوحيد في الأزمات الذي لديه قوة نارية غير محدودة حقَا.

لطالما تذمر المحافظون الماليون والنقديون في شمال أوروبا من تدخلات دراجي، والتي اعتبروها وسيلة لتحويل التزامات إيطاليا إلى الميزانية العمومية لأوروبا. وقد أثبتت جولته الأخيرة من شراء السندات عام 2019، أنها مثيرة للجدل بشكل خاص. وبحلول الوقت الذي أنهى فيه مهمته بالبنك المركزي الأوروبي ذلك الخريف، كان كل ما يمكن لحكومة أنجيلا ميركل القيام به هو ضمان عدم وجود مشاهد غير لائقة في حفل تقاعده.

تولت كريستين لاجارد وزيرة المالية السابقة في فرنسا ورئيسة صندوق النقد الدولي، رئاسة البنك المركزي الأوروبي في أكتوبر 2019، وورثت موقف دراجي الصعب للغاية. الآن يتعين عليها إثبات قدرتها على التعامل مع أزمة مالية كبيرة. وكان المؤتمر الصحفي للبنك المركزي الأوروبي في 12 مارس اختبارًا حاسمًا.

كان لدى البنك المركزي الأوروبي أخبارًا جيدة للبنوك الأوروبية: تلقت البنوك قدرًا ضخمًا من التمويل منخفض التكلفة. كما كانت ستشتري أصولًا إضافية بقيمة 120 مليار يورو ــ على الرغم من كون انتشار ذلك بين أعضاء منطقة اليورو، كما تتطلب القواعد، من شأنه عدم منح إيطاليا الدعم الذي تحتاجه بسهولة. كانت لحظة حرجة عندما سُئلت لاجارد عن موقف البنك المركزي الأوروبي من الديون السيادية. كان ردها لافتًا. قالت “لسنا هنا لمقاربة الفوارق”. وأضافت “هذه ليست مُهمة البنك المركزي الأوروبي. هناك أدوات أخرى لذلك، وهناك جهات فاعلة أخرى للتعامل مع هذه القضايا بالفعل”.

“الفوارق” تعني إيطاليا. ويبدو أن ما تقوله لاجارد هو أنها مشكلة شخص آخر. لكن إذا لم يساعد البنك المركزي الأوروبي إيطاليا، من سيفعل ذلك؟ هل كان متوقعًا حقاً من الدول الأعضاء الأخرى في منطقة اليورو أن ترتبط معًا في شبكة أمان مالي لدعم إيطاليا؟ من الواضح، نظرًا للتاريخ السيء بين إيطاليا والأوروبيين الشماليين، كان على لاجارد موازنة الموقف . لكن مع مئات الأشخاص الذين يُقتلون كل يوم، وكذلك أسواق مالية عالمية في حالة من الذعر المكبوت؛ هل كان البنك المركزي الأوروبي يُشير بجدية إلى أنه سوف ينتظر من برلين وباريس وروما تسوية خلافاتهم قبل إخماد الحريق؟ كان تلك لحظة خاطفة للأنفاس بحق.

بالنسبة للمستثمرين، كان تصريح لاجارد كصاعقة من البرق. وفي غضون دقائق، تراجعت لاجارد. وقفت أمام الكاميرات ووعدت بأن البنك المركزي الأوروبي سيستخدم مرونة برنامجه الذي تبلغ قيمته 120 مليار يورو لمنع انهيار منطقة اليورو ــ لمساعدة إيطاليا. لكن كان الضرر قد وقع. تراجعت الأسواق وقفز السعر المفروض على إيطاليا للاقتراض:قفز متوسط السعر والفارق بنسبة 0.65%. قد لا يبدو هذا فرقًا كبيرًا، لكن عندما يطبق على جبل من الديون بحجم ديون إيطاليا، فإنه يرفع فاتورة الفائدة بما يصل إلى 14 مليار يورو لمدة عام واحد فقط. كان آخر شيء تحتاجه إيطاليا. نأت كل من باريس وروما بنفسيهما عن البنك المركزي الأوروبي، في  صدام علني نادر. كانت الأزمة تُبعد أوروبا أكثر.

——————————————————————————————–

بعد خمسة أيام مرعبة من اضطراب السوق، نهاية الأسبوع 14-15 مارس كان على البنوك المركزية حول العالم تسوية ردة فعلها. ما أراده الجميع هو الدولارات، لذلك قبل أي شيء كان بنك الاحتياطي الفيدرالي في حاجة لتولي زمام المبادرة. وقام جيروم باول بما يليق بالرئيس. دعا لمؤتمر صحفي غير مقرر مسبقًا ظهر 15 مارس. ما أعلنه كان لافتًا. 

كان بنك الاحتياطي الفيدرالي قد خفض أسعار الفائدة إلى الصفر كأثر فوري. الأمر الذي فعله مرة واحدة فقط من قبل، في ذروة الأزمة في عام 2008. ومن أجل استقرار سوق سندات الخزانة الأميركية، فإنها سوف تشتري 700 مليار دولار في جولة جديدة من ما يسمى بالتيسير الكمي. سوف تبدأ بشكل كبير، بشراء 80 مليار دولار بحلول 17 مارس. وفي غضون 48 ساعة فقط، سوف تنفق على الخزائن أكثر مما أمضى بنك الاحتياطي الفيدرالي أغلب الأشهر عقب كارثة عام 2008.

كانت تلك تدابير للاقتصاد الأمريكي. ولكن فيروس كورونا يمثل أزمة عالمية. محاولات الهروب الى بر الامان وما تلاها من ارتفاع في الدولار كان يضع ضغطًا كبيرًا على كل من يقترض بالعملة الأمريكية . لذا، لضمان إمكانية توصيل الدولار إلى كل مؤسسة مالية في كل مركز مالي رئيسي في العالم، أعلن بنك الاحتياطي الفيدرالي أنه يحسن الشروط على ما يسمى بخطوط مبادلة السيولة ــ الصفقات التي توافق بها البنوك المركزية الكبرى على استبدال الدولار بالجنيه الإسترليني واليورو والفرنك السويسري والين بمعدلات غير محدودة.

اعتمد باول الأسلحة الرئيسية لأزمة 2008 بشكل أكبر بكثير مما أقدم عليه أسلافه. لكن لم يكن ذلك كافيًا. عندما شرعت الأسواق بعملها في اليوم التالي، 16 مارس، كان السقوط متأرجحًا. كان يفترض ينظام وقف التداول دخول حيز التنفيذ إذا وصل الهبوط لمعدل أغلى من 7%. في ذلك الصباح كان الهبوط سريعًا جدًا لدرجة أن S&P 500 انخفض بنسبة 8.1٪ قبل أن يمكن إيقاف التداول. ما يُسمى بمؤشر الخطر VIX ــ مقياس تقلبات السوق ــ ارتفع لمستويات شوهدت أخر مرة خلال الأيام المظلمة في نوفمبر 2008. 

الخطر في الأسواق يغذي نفسه بنفسه الآن. إذا لم يعد سحر بنك الاحتياطي الفيدرالي خلال أزمة 2008 مجديًا، ماذا سوف يفعل؟

——————————————————————————————–

سوق الصرف الأجنبي، حيث يتم تداول العملات، هو أكبر سوق في العالم. والمكان الذي يتم فيه حجز معظم المعاملات هو مدينة لندن. في يوم اعتيادي، الصفقات ذهابا وإيابا بمجموع 6.6 مليار دولار. ولكن في يوم الأربعاء 18 مارس، لم يكن هناك سوى نوع معاملة واحد: أراد الناس بيع كل شيء. الشيء الوحيد الذي أرادوا شرائه كان الدولارات. كل عملة أخرى كانت تنخفض.

مهد فشل البنوك المركزية في تهدئة الأسواق الطريق لأيام مروعة من الذعر. تراكمت حالات فيروس الكورونا في أوروبا بسرعة أكبر مما كانت عليه في أيام الذروة بمدينة ووهان. كانت صناديق التحوط تضع رهانات بمليارات الدولارات على أن الركود في أوروبا سوف يطول. واجهت شركات الرقاقات الزرقاء مثل آبل أقساط قاسية يجب عليها الاقتراض سدادها خلال ثلاثة أشهر فقط. حتى الذهب، الملاذ الآمن الكلاسيكي، كان يُباع.

خلال ذلك الأربعاء، وفي يومه الثالث كمحافظ لبنك إنجلترا، عقد أندرو بيلي مؤتمرًا صفحيًا كمحاولة للطمأنة. لكن خلال حديثه، انخفض الجنيه الاسترليني بنسبة 5% ما يُمثل أقل معدل له منذ عام 1985. في الوقت نفسه، شهدت سوق السندات الحكومية في المملكة المتحدة، المعروفة أيضًا باسم المذهبات ــ أقدم سوق للأصول الرئيسية في العالم ــ اضطرابًا غير مسبوق. بصياغة بيلي الغير مُتحفظة، “على شفا الفوضى”. 

كردة فعل، عقدت لجنة السياسة النقدية ببنك إنجلترا اجتماعا وأعلنت أن البنك سيشتري مذهبات بقيمة 200 مليار جنيه استرليني. خلافًا لما حدث في 2008، سيقدم البنك على هذه الخطوة دون جدول زمني مُرتب مسبقًا. كما صرح بيلي، “سنتصرف مع الأسواء بشكل سريع ودون إبطاء حسبما نرى ذلك مناسبًا”. ليس هناك وقت للجداول الزمنية. كان البنك المركزي، باعترافه، يعمل بمنطق المبادرات الارتجالية لا بخطط مسبقة.

خلال مؤتمر صحفي طارئ مساء يوم 18 مارس، قرر المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي أنه يحتاج أيضًا إلى العمل. في إطار برنامج الشراء الطارئ للجائحة، أعلن أنه سيتم شراء 750 مليار يورو من ديون الحكومة والشركات. لكن البنك المركزي الأوروبي كان على استعداد للذهاب إلى أبعد من ذلك. وقال البنك إنه، إذا لزم الأمر، سيعيد النظر في بعض “الحدود التي فرضها على نفسه”.

بالنسبة لمؤسسة مُحافظة مثل البنك المركزي الأوروبي، كانت تلك الإجراءات بمثابة ثورة. الحدود التي فرضها البنك على نفسه ــ أهداف التضخم، والقواعد التي يمكن من خلالها شراء ديون الحكومة الأوروبية وبأي كميات ــ هي ما يقوم عليها البنك المركزي الأوروبي. من الواضح أن أعضاء مجلس إدارة البنك المحافظين استمروا في مقاومة هذه الخطوة. لكن في النهاية حسم الأمر الاضطراب الحاصل في الأسواق. كان البنك المركزي الأوروبي بحاجة إلى إيصال إشارة على عزيمته. إذا كانت لاجارد قد أفسدت لحظة “مهما كلف الأمر”، فإن البنك المركزي الأوروبي الآن أصبح يعد بالقيام بما هو ضروري.

بحلول نهاية الأسبوع الثالث من مارس، كان 39 بنكًا مركزيًا حول أنحاء العالم، من منغوليا إلى ترينيداد، قد خفض أسعار الفائدة، وخفف من القيود المصرفية وأنشأ تسهيلات إقراض خاصة. لتخفيف الضغط على الأسواق الناشئة، وسّع بنك الاحتياطي الفيدرالي شبكة خطوط مبادلة السيولة لتغطي 14 اقتصادًا رئيسيًا بما في ذلك المكسيك والبرازيل وكوريا الجنوبية. كانت هذه موجة ملحوظة من النشاط. ولكن الوباء نفسه كان في بداية هجومه. يمكن للبنوك المركزية تخفيف حدة الصدمة المالية، ولكنها لا تتصدى للانهيار الاقتصادي الفعلي، ناهيك عن الأزمة الصحية.

سارعت الحكومات الأوروبية للتحرك. استغنت ألمانيا عن حذرها المالي والتزمت ببرنامج ضخم للضمانات الحكومية للإقراض التجاري. لكن هذا عمّق الفجوة بين إيطاليا وأسبانيا، اللتين لم تكونا الأكثر تضررًا من الفيروس فحسب، بل وتم قيدهما أيضًا من جراء التركة المالية لأزمة منطقة اليورو. لم يرغبا في المخاطرة بالانزلاق مرة أخرى إلى أزمة ديون.

في الولايات المتحدة، سارع بنك الاحتياطي الفيدرالي في العمل على الأزمة. لكن أين كان السياسيون؟ كان الكونجرس مشتتًا بالانتخابات الرئاسية المقبلة. ما كان مطلوبًا هو حزمة إجراءات غير مسبوقة لإنقاذ الاقتصاد المهدد بالسقوط. كيف لعناصر الحزبين الجمهوري والديمقراطي التوفيق بين الخلافات الأساسية حول النظام الصحي والتأمين ضد البطالة، أو المحسوبية سيئة السمعة للرئيس وحاشيته؟ منذ سيطرة الديمقراطيون على مجلس النواب في عام 2018، أصيب التشريع بالشلل إلى حد كبير. الآن، في مواجهة تسونامي فقدان الوظائف، كان على الحزبين التوصل إلى اتفاق.

——————————————————————————————–

مع بدء التداول في آسيا صباح الإثنين 23 مارس، أوضحت الأنباء الواردة من واشنطن أنه لم يحدث اتفاقًا في الكابيتول هيل. هبطت أسواق العقود الآجلة بعنف إلى الحد الذي أدى إلى تنشيط نظام وقف التداول (circuit-breakers) مرة أخرى ــ فقد حدث هذا الآن خمس مرات على نحو غير مسبوق في غضون أسبوعين. وإذا أراد تجنب الانهيار عند فتح وول ستريت، سوف يضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى اتخاذ خطوة أخرى. 

حتى هذه اللحظة، كان جيروم باول يتحرك في ظل سلفه بن برنانكي، الذي كان رئيسًا لبنك الاحتياطي الفيدرالي في عام 2008. لكن بحلول 23 مارس، فعّل باول جميع العناصر الأساسية لحزمة عام 2008 ــ خفض أسعار الفائدة، استخدام التيسير الكمي ودعم أسواق المال. ولكنها لم تنجح، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن هذه الإجراءات لم تتمكن من الوصول إلى مصدر الأزمة نفسها ــ أي الفيروس والإغلاق ــ وأيضًا لأنها لم تصل إلى مرحلة نظام الائتمان الذي كان أكثر هشاشة في عام 2020: الاقتراض من جانب الشركات الكبرى.

لقد ابتعد بنك الاحتياطي الفيدرالي دومًا عن ديون الشركات، كونها تنطوي على حساسية سياسية. إذا اشتريت الديون من شركات فردية، تكون عُرضة لاتهامات المحسوبية. إذا اشتريت مجموعة نموذجية سينتهي بك الحال وانت تمتلك العديد من القروض الرديئة جدًا. لكن بحلول الساعات الأولى من يوم 23 مارس، أصبح من الواضح أنه لا بد من القيام بشيء ما لتحقيق الاستقرار في سوق ديون الشركات. منذ عام 2008، ارتفعت السندات التي تصدرها الشركات غير المالية من 3.3 تريليون دولار إلى أكثر من 6.5 تريليون دولار. إذا انخفضت قيمتها إلى حد بعيد، فإن الشركات الأميركية لن تواجه الإغلاق والخسارة التامة في الإيرادات فحسب، بل إنها سوف تواجه أيضًا ضغطًا ائتمانيًا مُعطلًا.

بشكل مثالي، كان بنك الاحتياطي الفيدرالي ليصدر إعلانًا ضخمًا بالتزامن مع حزمة التحفيز التي وضعها الكونجرس. لكن بحلول مساء يوم 22 مارس، كان من الواضح أن الحزمة التي يقترحها الجمهوريون غير مقبولة لدى الديمقراطيين. قد يستغرق التوافق أيام. لكن الأسواق المالية لا يمكنها الإنتظار. 

في 23 مارس، قبل 90 دقيقة من فتح الأسواق، قام باول بخطوته. أعلن أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يقوم بإنشاء كيانات قانونية ــ خارج سجلات البنك، لكنها تحت ضمانته ــ قادرة على شراء ديون الشركات ذات التصنيف العالي، أو على الأقل أي ديون لا تزال وكالات التصنيف على استعداد للإعلان عن أنها من الدرجة الاستثمارية. الواقع أن بنك الاحتياطي الفيدرالي كان يؤسس نفسه كداعم لسوق سندات الشركات التي تبلغ قيمتها تريليون دولار. صعّد بنك الاحتياطي الفيدرالي برنامجه لشراء الأصول على نحول مذهل إلى 375 مليار دولار بالنسبة لسندات الخزانة، و250 مليار دولار بالنسبة لسندات الرهن العقاري في أسبوع واحد.

كانت خطوة غير عادية لتوسيع نطاق تدخل البنك المركزي في اقتصاد الشركات. وقد فهمت الأسواق هذا التحرك. منذ بداية العام، فقد مؤشر S&P 500 ومؤشر داو جونز، بالإضافة إلى مؤشر FTSE 100 نحو 30% من قيمتهم. في ذلك اليوم، بدأوا في التعافي.

وبعد يومين، في 25 مارس، وصل الدعم من الكونجرس عندما أقر مجلس الشيوخ حزمة عملاقة من 2 تريليون دولار ــ أكثر من ضعف حجم مشروع قانون التحفيز الذي تم تمريره عام 2009. قدمت تمويلًا لزيادة التأمين ضد البطالة، وكذا لدعم الشركات الصغيرة ونظام خصخصة المستشفيات في الولايات المتحدة. 

والأهم من ذلك، تم تخصيص 454 مليار دولار لتغطية خسائر بنك الاحتياطي الفيدرالي. حيث أن أغلب القروض لا يتوقع لها أن تسوء، فإن هذا من شأنه تمكين بنك الاحتياطي الفيدرالي من تقديم أكثر من 4 مليارات دولار في شكل قروض، إذا لزم الأمر.

في الولايات المتحدة، كانت مواجهة الصحة العامة ضد الفيروس لا تزال في حالة من الفوضى. لكن فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، تمترست السلطة الكاملة للدولة الأمريكية خلف برنامج الطوارئ. كما كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يعمل كمزود للسيولة الدولارية للاقتصاد العالمي. في المملكة المتحدة، أيضًا، عملت وزارة الخزانة وبنك إنجلترا بشكل وثيق لربط الزيادة الضخمة في الإنفاق الحكومي بالجهود نحو تحقيق الاستقرار في الأسواق المالية.

لكن في منطقة اليورو، كان هذا النوع من التنسيق معدومًا. تمكن البنك المركزي الأوروبي من وقف الذعر الفوري. ومع ذلك، لا يزال هناك تساؤلًا حول إمكانية وضع خطة مالية من جانب الدول الأعضاء لدعم جارتيها الأكثر تضررًا، إيطاليا وإسبانيا. كان الحل الواضح هو إصدار الديون معًا لمكافحة الأزمة ــ وهي الفكرة التي أثيرت مرارًا أثناء أزمة منطقة اليورو، عندما قاومها بشراسة الائتلاف المحافظ في شمال أوروبا بقيادة ألمانيا. وهذا من شأنه أن يضمن عدم تقييد إيطاليا بضعفها المالي القائم من قبل.

بالنسبة للائتلاف المكون من تسع دول بقيادة فرنسا وايطاليا واسبانيا والبرتغال، كانت القضية واضحة. في 25 مارس، دعا الائتلاف إلى وضع “أداة مشتركة للديون” لتمويل مواجهة الأزمات. دعم البنك المركزي الأوروبي هذا الاقتراح بقوة. ولكن مرة أخرى، هولندا وألمانيا رفضا التزحزح.

انطلقت هذه القضية إلى مجموعة اليورو. في اجتماع لوزراء مالية منطقة اليورو، حيث ظهر أخيرًا مشروع الاتفاق بعد أسبوعين. بحلول ذلك الوقت كان الذعر الفوري قد مر. وكما كانت لاجارد وزملاؤها المصرفيون المركزيون يخشون منذ البداية، كان استمرار استقرار منطقة اليورو مسئوليتهم.

——————————————————————————————–

هل ستكون جدران الحماية المالية الضخمة التي قامت البنوك المركزية ببنائها على جانبي المحيط الأطلسي كافية لتحمل الأخبار السيئة القادمة باتجاهنا خلال الأسابيع والأشهر المقبلة؟ من السابق لأوانه التكهن بذلك. لكن الاختبار الأول جاء يوم الخميس 26 مارس، عندما أعلنت وزارة العمل الأمريكية أنه وفي خلال أسبوع واحد، وقع 3.3 مليون أميركي على وثائق التأمين ضد البطالة. كان ذلك غير مسبوقًا على الإطلاق. الرسم البياني الممتد منذ نصف قرن تحول ببساطة إلى طفرة تصاعدية. وفي الأسبوعين المقبلين، تمت إضافة 13.5 مليون شخص أخر إلى قوائم التأمين. ولم يكن هناك نهاية في الأفق. إن أميركا تسير بخطى حثيثة نحو بلوغ معدلات بطالة وطنية تبلغ الـ30% بحلول الصيف ــ وهو ما يزيد عن فترة الكساد الأعظم فى الثلاثينات.

كان الإغلاق كارثة بالنسبة لملايين الأسر الأميركية، التي لا يملك نصفها على الأقل احتياطيات مالية لتتحدث عنها، والشركات كذلك مضطربة صعودًا وهبوطًا. كيف سيكون رد فعل الأسواق؟ من المدهش أنها أنهت يوم 26 مارس بارتفاع نسبته 5٪. أكبر ارتفاع في نسبة البطالة تاريخيًا تم التعامل معه بتجاهل واسترخاء.

لماذا لم يكن المستثمرون أكثر رعبًا؟ لأن حجم التحفيز الذي قدمه الكونجرس أوضح أنه مهما كانت السياسة الأميركية منقسمة، فإن ذلك لن يقف في طريق الطفرة الهائلة في الإنفاق. 

ومن جانبه، سوف يتأكد بنك الاحتياطي الفيدرالي من استيعاب التدفق الهائل للديون الجديدة، إذا لزم الأمر على حساباته الخاصة. فقد تم ربط نظام الائتمان الخاص والميزانية الحكومية والميزانية العمومية لبنك الاحتياطي الفيدرالي معًا في حلقة مغلقة.

——————————————————————————————–

ما تمكن بنك الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي من القيام به في مارس هو منع الضرر الناجم عن الإغلاق الذي تفاقم بسبب الانهيار الفوري لوضع الشركات الائتماني. في الوقت نفسه، من خلال استقرار أسواق الديون السيادية، فقد ساعدت على تحقيق طفرة هائلة في الإنفاق العام لمكافحة الأزمة وتخفيف آثارها الجانبية اجتماعيًا واقتصاديًا. للقيام بذلك، قام كلاهما بتوسيع شبكة الأمان لتشمل قطاعات من النظام المالي لم تكن محمية من قبل، وتدخلا على نطاق أكبر بكثير حتى مما كان عليه عام 2008.

في الأيام الأخيرة من مارس، كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يشتري سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري بمعدل 83 مليار دولار في اليوم، أو 1 مليون دولار في الثانية. في 9 أبريل، في نفس اللحظة التي كشف فيها عن أحدث أرقام البطالة المروعة، أعلن عن دعم آخر قدره 2.3 تريليون دولار يستهدف على وجه التحديد ديون البلديات وديون الشركات ذوات المرتبة الأقل. في اليوم نفسه، اعتمد بنك إنجلترا نهجًا أكثر جذرية. بدلًا من المرور بعملية إصدار الخزانة للديون التي سوف يشتريها البنك المركزي بعد ذلك، أعلن البنك أنه سيقدم تمويلًا نقديًا مباشرًا للحكومة، لتزويدها بأي تمويل تحتاج إليه. ذلك سكون مؤقتًا، لكنه في النهاية خطوة جذرية. سوف يُعاد السماح لاستخدام الحساب الجاري الخاص بالحكومة في بنك إنجلترا، إذا لزم الأمر، بعشرات المليارات من الجنيهات الاسترلينية في الإنفاق خلال أزمة فيروس الكورونا. كانت أخر مرة لجأت فيها الحكومة البريطانية إلى هذه الآلية خلال ذروة الأزمة في عام 2008.

ما رأيناه في النظام المالي، في الأسابيع القليلة الماضية، هو انتصار من نوع ما ــ ولكنه انتصار دفاعي. مرة أخرى، نحن ندعم نظامًا هشًا مدفوعًا بالربح لتجنب شيئًا أكثر سوءًا. هو أيضا انتصار محدود النطاق.

من خلال تسطيح منحنى الذعر المالي، عملت البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة على ضمان جعل الحياة تحت الحجر مُحتملة من خلال إغلاق الائتمان أمام الشركات والأسر. كما ضمنت أن الاستجابة الصحية العمومية لكوفيد 19 يمكن أن تستمر بأي نطاق مطلوب. داخل أوروبا، هناك تساؤلات حول الاختلافات بين دول منطقة اليورو: كانت ألمانيا قادرة على مواجهة الأزمة ماليًا بشكل واضح بشكل أكبر من إيطاليا أو أسبانيا. ولكن أوجه عدم المساواة تلك تتضاءل أمام المشاكل التي تواجه معظم دول العالم. أوقف الإمداد الائتماني الحاسم قبل تصاعد حالات فيروس الكورونا، وهذا يعني، مرة أخرى تأكيد هرمية النظام المالي العالمي. في القمة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان وبنك إنجلترا ونظرائهم من الاقتصاد المتقدم يتمتعون بالدعم المباشر من بنك الاحتياطي الفيدرالي. بفضل هذا الدعم، تتمتع البنوك المركزية ذوات الاقتصاد المتقدم بهامش كبير في دعم أنظمتها الائتمانية إلى حد كبير. قد يواجهون تحركات معتدلة في سعر صرف عملاتهم، لكن لا توجد ضغوط مالية مدمرة.

هذا ما تعانيه اقتصادات الأسواق الناشئة منذ فبراير. يضرب كوفيد 19 كل جزء من الاقتصاد العالمي. يحذر البنك الدولي من حدوث انتكاسة مدمرة لاقتصادات نيجيريا وأنجولا وجنوب أفريقيا، إلى جانب بقية أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. فقد اضطر ما يقرب من نصف دول العالم ــ أكثر من 90 دولة حتى الآن ــ إلى تقديم طلبات إلى صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدة مالية.

إذا كان تسطيح المنحنى في أوروبا والولايات المتحدة هو معركة مارس، فإن التحدي التالي يتمثل في الحد من موجات الصدمة التي تضرب بقية العالم. شهدت الأسابيع القليلة الماضية استعراضًا رائعًا للطاقة والخيال التكنوقراطيين في المراكز المالية الغربية. هذا المستوى من الالتزام نحتاج الآن إلى الاستفادة منه في دعم بقية العالم. لا يمكننا السيطرة على الوباء أو استعادة الاقتصاد العالمي بدونه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: